حياة الرسول (ص) و أهل بيته (ع)
دسته بندی مكتبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام
نویسنده المؤسسة الإسلامية للبحوث والمعلومات
زبان کتاب عربی
سال چاپ 1405

حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله

وأهل بيته ( عليهم‌السلام )

إصدار المؤسسة الإسلامية

للبحوث والمعلومات


نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين ( عليهما‌السلام ) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.


بسم الله الرحمن الرحيم

الأوضاع قبل البعثة النبوية

لم يكن العرب يومئذ اهل كتاب ولا ديانة سماوية ترفع من مستواهم الفكري والاجتماعي والحضاري، فكانوا يعبدون الأصنام والأوثان والجن والنجوم والملائكة، وقليل منهم كانوا على دين ابراهيم وموسى والمسيح عليهم‌السلام . وكانت الأمم الأكثر حضارة وتقدما منهم، وهم اليهود والنصارى والمجوس، أيضا يعيشون حياة جاهلية وظلما سياسيا، وكان المجتمع المكي يتكون من ثلاث طبقات متميزة هي:

١ - طبقة الأثرياء.

٢ - طبقة الفقراء.

٣ - طبقة العبيد.

وكانت المرأة تعاني حياة البؤس والشقاء، فلا حقوق لها ولا كرامة، فهي في عرف ذلك المجتمع الجاهلي ملك للرجل، تورث كما تورث الحيوانات والممتلكات، وكان احدهم اذا ولدت أمراته بنتا، سيطر عليه الهم والحزن، وشعر بالخوف من العار وسوء السمعة، ولجأ الى قتلها أو دفنها حية أو تقبلها على مضض واحتقار وكراهية.

هكذا كانت الحياة الجاهلية بأبعادها ومرارتها وانحطاطها الاخلاقي والاقتصادي والعقائدي والسياسي والاجتماعي.


ميلاد البشير محمد ( صلى‌الله‌عليه‌وآله )

في ريبع الأول وبعد حادثة هلاك أصحاب الفيل، ولد المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله في مكة المكرمة. وشاء الله أن يولد يتيما، وعندما بلغ المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله الخامسة من عمره، وجد في جده عبد المطلب خير راع له على أن عبد المطلب توفي والمصطفى في السنة الثامنة. فتولى رعايته عمه أبو طالب، كان محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله يكبر في كنف عمه، وكانت تكبر معه أخلاقه السامية حتى تميز من بين مجتمعه بالصدق والأمانة، وعرف بـ(الصادق الأمين). وعندما

بلغ الخامسة والعشرين ذهب بتجارة الى الشام لخديجة بنت خويلد ( رضي‌الله‌عنه ). وتزوج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ذلك بخديجة، وحققا أروع تلاحم عاطفي معطر بالود والوفاء والرحمة، ورسما أجمل صورة للحياة الزوجية الناجحة. وفي تلك الفترة بدأت ارهاصات النبوة تتجلى في حياته، فكان ينقطع في غار حراء لفترات يقضيها بالعبادة والتأمل والانقطاع لرب العالمين، بعيدا عن أجواء الجاهلية حتى بلغ الأربعين من عمره الشريف وكانت البشائر التي ذكرتها الكتب السماوية السابقة تنبئ بقرب مبعث نبي جديد يملأ الدنيا نورا وهداية وبركة.


البعثة النبوية

وحين بلغ الأربعين من عمره نزل عليه جبريل بالرسالة الخاتمة، تاليا عليه أول بيان سماوي ( اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الانسان من علق. اقرأ وربك. الأكرم الذي علم بالقلم. علم الانسان ما لم يعلم ) (العلق/١-٥)

وكان النداء الثاني: ( يا أيها المدثر. ثم فانذر. وربك فكبر. وثيابك فطهر. والرجز فاهجر ) (المدثر/١ - ٥) انه نداء الانطلاق بالرسالة، والتبشير بالدين الجديد، فما كان من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الا ان صدع بالامر، فبادر الى اعلام علي بن ابي طالب عليه‌السلام فلبى دعوة الله وعرضه الرسول دعوته على زوجه خديجة، فلبت نداءه وآمنت برسالته. وبذلك تشكلت نواة المجتمع المؤمن في الأرضه. ثم راح يدعو سرا من يتوسم فيه الاستجابة، وأخذ عدد المؤمنين يزداد بالتدريج. مضت على هذا اللون من الدعوة الى الاسلام ثلاث سنوات، وبدأت قريش تتحسس حركة الدين الجديد وفي تلك الاثناء أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله أن ينذر الأقربين من عشيرته.


الهجرة الى الحبشة

وحين تحجّرت مكة في وجه الدعوة، رأى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يأذن لعدد من أتباعه بالهجرة الى الحبشة، ليوفر لهم حماية ومنجى من الاضطهاد على الأقل.

فأمرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالهجرة الى الحبشة، وقد خافت قريش أمر هذه الهجرة، فحاولت استرجاعهم الى مكة، غير أن النجاشي ملك الحبشة، الذي كان على دين المسيح عليه‌السلام رفض طلب مبعوثي قريش.


المقاطعة

كان فشل خطة قريش في احباط هجرة الحبشة، قد صعّد من حقدها على الدعوة الاسلامية. فقررت مقاطعة بني هاشم في البيع والشراء والمخالطة والزواج، وحصرت بني هاشم في شعب أبي طالب. لقد مر المسلمون بظروف قاسية ودامت المحاصرة ثلاث سنين، لكن نهاية المحاصرة لم تكن نهاية المحن، اذ توفيت خديجة بنت خويلد زوجة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأم المؤمنين الكبرى التي كانت أول من آمن به وصدقه وشاركته أعباء الرسالة، وبذلت مالها في سبيل الله. وبعد وفاة خديجة بثلاثة أيام توفي أبو طالب حامي الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وسند دعوته. ولشدة تأثير الحادثتين في سير الحركة التاريخية للاسلام، سمى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك العام بعام الحزن.


الهجرة الكبرى

لم تعد مكة مكانا مناسبا وآمنا للدعوة، بعد أن توفي أبو طالب، وفيما كان صلى‌الله‌عليه‌وآله يعرضه رسالته في موسم الحج، التقى سنة احدى عشرة من البعثة المباركة، بجماعة من أهل يثرب (التي سميت بالمدينة المنورة فيما بعد)، وعرضه عليهم‌السلام فاستجابوا له، وعادوا الى يثرب يدعون الى الاسلام. وفي العام التالي قدم من أهل يثرب اثنا عشر رجلا، فاجتمعوا بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في العقبة وبايعوه. وفي موسم الحج التالي، أي في السنة الثالثة عشر من البعثة اجتمع بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله سرا بالعقبة وفد اسلامي كبير من يثرب ضم سبعين رجلا وامرأتين وبايعوه وبذلك توفرت الأرضه التي يمكن للدعوة أن تقف عليها لأداء رسالتها، فأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المؤمنين بالهجرة اليها. ثم أذن الله سبحانه لرسوله بالهجرة الى الأرضه المباركة (يثرب) وذلك اثر اجتماع قريش في دار الندوة، واتفاقها على قتل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله


دولة الرسول ( صلى‌الله‌عليه‌وآله )

كانت أول لبنة وضعها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لارساء قواعد البناء الجديد هي اقامة المسجد النبوي الشريف الذي اتخذه صلى‌الله‌عليه‌وآله دارا للعبادة ومكانا للاجتماع والتشاور وادارة شؤون الأمة، والفصل في الخصومات، ووضع الخطط العسكرية وتعيين القيادات، والتعليم وسوى ذلك مما تقتضيه الدولة والمجتمع من شؤون. وقد واجه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في المدينة مجتمعا تتوزعه القبلية والمصالح المادية والأفكار المتناقضة. وكانت أبرز الفئات التي عاصرها في

المدينة هي:

١ - المسلمون: وهم قسمان: أنصار ومهاجرون.

وقد وقف الاسلام موقفا بنّاء من أجل تكوين المجتمع الاسلامي وهو ما تمثل في المؤاخاة التي دعا اليها بين المهاجرين والأنصار. حيث أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كل أنصاري أن يتخذ له أخا من المهاجرين، بما يترتب على الأخوة الحقيقية من آثار الحياة العملية:

في المعاملة والمال وسائر الشؤون. وهكذا أقام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله صرح الجماعة المؤمنة على أسس رصينة ومتينة.

٢ - اليهود:

وكان اليهود يسيطرون على الجانب المالي ويمتلكون مجتمعا خاصا، يخالف مجتمع المدينة في الدين والمشاعر والأهداف، وقد عمل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله على مهادنتهم.

٣ - المنافقون:

وهم فئة من أهل المدينة، أظهروا الاسلام خوفا وطمعا، وأبطنوا الكفر وكانوا يشكلون قوة حليفة لليهود والمشركين، وعنصرا من عناصر التخريب في المجتمع الاسلامي.


موقف قريش بعد الهجرة وسياسة الرسول ( صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تجاهها

سبّب افلات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله من قبضة قريش ووصوله المدينة سالما زيادة غيظ قريش واستمرار مؤامراتها، وكانت تلاحق المسلمين بالتنكيل والأذى، وقامت بمصادرة أموال المسلمين المهاجرين والاستيلاء على دورهم وممتلكاتهم، كما كانت تحرضي‌ الله‌ عنه بعض القبائل على الفتك برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لما دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الى القيام بعدة خطوات بغية الحفاظ على الدعوة والدفاع عنها. فبعث السرايا وقاد الغزوات باتجاه القبائل المشركة المجاورة وأدى ذلك الى عقد اتفاقيات صلح وموادعة ومهادنات معها دون خوض أي قتال.

في نفس الوقت كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يهدئ الأوضاع داخل المدينة ويحبط مؤامرات كفار قريش لتحريض سكانها ضده. من جهة أخرى فان رسول الله، وفي مقابل ظلم قريش وتعديها ومؤامراتها المستمرة، لجأ الى الضغط عليهم اقتصاديا وعسكريا ليكفوا عن مواجهة الرسالة الاسلامية، فبدأت غزوات المسلمين ضد القوافل التجارية لطواغيت قريش ولم تكن تلك الغزوات تصر على قتالهم بقدر الضغط عليهم وتحجيم تحركهم المضاد، وكان ذلك واضحا في وصايا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لقادة المسلمين وأمراء الجيش، وقد حدثت معارك بين الكفار والمسلمين منها: معركة بدر الكبرى:

وقد حقق الله تعالى فيها النصر للاسلام واندحرت قوة قريش، وحصل المسملون على مكاسب مالية وعسكرية وعقائدية واعلامية ساهمت في خدمة الدعوة الاسلامية وتثبيت أركانها.


معركة أحد

استمرّت أحداث بدر ومعركتها التاريخية الرائدة حقدا في نفوس المشركين في مكة. اذ حقق المسلمون في هذه المعركة نصرا عسكريا وعقيديا واعلاميا واسعا، أغرق قريشا وقادة الشرك فيها بالذل والمهانة. فدق المشركون طبول الحرب، وخططوا للعدوان والهجوم على المدينة، واستنفر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الناس، ولم يكن جيش المسلمين متكافئا لما حشد المشركون من عدد وعدة، والتقى الفريقان عند جبل أحد، وبدأت المعركة، وكان النصر حليف المسلمين، وحازوا مغانم كثيرة. فاستهوت الغنائم النفوس، فترك الرماة مواقعهم الأمر الذي احدث ثغرة في صفوف المجاهدين فاستغلها المشركون، فالتفوا على قوات المجاهدين من خلفهم، فتسبب هذا الهجوم بانكسار الجيش الاسلامي وبعثرته وانهزامه. وكانت الخسارة فادحة، والهزيمة كبيرة، فقد خسر المسلمون حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير. كانت معركة أحد التجربة العسكرية القاسية والاختبار الصعب الذي مر به المسلمون. ثم أمر الله سبحانه نبيه الكريم أن يدعو أصحابه في اليوم الثاني من الهزيمة والانكسار الى التهيؤ لشن الحرب على قريش، مع ما بهم من جراحات وآلام، لاستعادة المعنوية، فاستجاب المسلمون لأمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله


معركة الخندق

كان اليهود قد شعروا بخطر تعاظم قوة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فاندفعوا للتآمر على الدعوة ونبيها وراحوا يؤلبون اعداء الاسلام ويخططون لتكوين تجمع عسكري هائل لمهاجمة المدينة والقضاء على الاسلام. واتصل اليهود بقريش غطفان واتفقوا معهم على مهاجمة المدينة واستئصال الدعوة، الا أن الأنباء تسربت الى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فاستنفر أصحابه للقتال فكان عددهم ثلاثة آلاف مقاتل وكتب الله النصر للمسلمين في هذه المعركة.


صلح الحديبية

بعد معركة الأحزاب، بلغ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أن محاولة تجري في الخفاء بين قريش ويهود خيبر لغزو المسلمين. فقرر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يهادن قريشا ليفصلها عن اليهود أولا، وليتمكن بعد الهدنة أن ينشر دعوته بين العرب من غير قريش ثانيا، فوقع مع قريش معاهدة، كان لها أعظم الأثر في مسيرة الاسلام التاريخية، حيث أعطت فرصة للمسلمين لتبليغ دعوتهم الى غير قريش من سكان الجزيرة والتفرغ لبناء دولتهم وتقويتها. ومن ثمرات المعاهدة، تفرغ المسلمين لمواجهة اليهود، وتجلى ذلك بغزوة خيبر التي تمت بعد عودة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله من الحديبية.


معركة خيبر

وخيبر قريبة من قرى اليهود، تقف على قمة جبل، يحيطها حصن حجري، كان فيه عشرة آلاف مقاتل، وقد فتح المسلمون ذلك الحصن، فانهارت مقاومة يهود خيبر ونصر الله نبيه ودمرت تلك القوة العسكرية المنيعة.


فتح مكة

اضطربت العلاقات بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقريش، بعد أن خرقت قريش معاهدتها مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ونقضت تعهداتها. وقد جهز الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله جيشا من عشرة آلاف مقاتل، وسار به سرا لمباغتة قريش وتمكن جيش المسلمين من بلوغ مكة ومحاصرتها دون علم قريش. واستخدم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله الحرب النفسية في هذه الغزوة، حيث أشعل النيران في الصحراء على مقربة من مكة، ليشعر قريشا بقوة الجيش ويثير الرعب في نفوسها، ويحملها على الاستسلام والخضوع من غير قتال. وقد تحقق النصر الكبير، ودخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مكة فاتحا منتصرا من غير قتال، ولا سفك دماء، غير بعض الحوادث التي وقعت بغير علم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وهكذا انهار أعظم حصون الشرك والجاهلية بعد صراع عنيف، وتحقق الفتح المبين.


غزوة تبوك

وبعد عودة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله الى المدينة، تواردت الأنباء من أن الروم يعتزمون غزو الأجزاء الشمالية من الجزيرة العربية. فقرر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يصدهم بنفسه، وسار جيش المسلمين وكان تعداده ثلاثين ألفا، حتى بلغ تبوك على الحدود الفاصلة بين بلاد العرب والدولة الرومانية. فخاف الروم من جيش المسلمين، وهربت قواتهم الى داخل حدودهم قبل وصول الجيش بأيام.


حجة الوداع

في السنة العاشرة من الهجرة دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الناس الى الحج، وأعلمهم أنه عازم على اداء الفريضة، فاجتمع اليه الناس من أنحاء الجزيرة كلها حتى تكاملوا مائة ألف أو يزيدون. سار الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بتلك الجموع الكثيرة قاصدا حج بيت الله تعالى، فدخلوا مكة وأدوا مناسكهم، حتى اذا توجهوا الى عرفة، وقف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على راحلته وألقى خطبته الشهيرة التي جاء فيها:

(أيها الناس، اسمعوا مني، ما أبين لكم، فاني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا. أيها الناس (انما المؤمنون إخوة) ولايحل لمؤمن مال أخيه الا عن طيب نفس، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فلا ترجعن كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض. فاني قد تركت فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي الا هل بلغت؟ اللهم اشهد. أيها الناس، ان ربّكم واحد وان أباكم

واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، (ان أكرمكم عند الله أتقاكم) وليس لعربي على أعجمي فضل الا بالتقوى، ألا هل بلغت؟).

ولما اتم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله حجه قفل راجعا الى المدينة، وفي غدير خم - منطقة قرب الجحفة شمال مكة - ينزل عليه وحي الله تعالى يدعوه لتعيين علي بن أبي طالب أميرا للمؤمنين بعده. فأمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله المسلمين ببيعة علي عليه‌السلام . وهكذا مارس الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ما من شأنه ان يحفظ مستقبل الرسالة والدعوة.


الامام علي بن أبي طالب عليه‌السلام

ولد الامام علي عليه‌السلام يوم الجمعة الثالث عشر من رجب، وقبل البعثة النبوية باثنتي عشرة سنة، وعاش منذ نعومة أظفاره في كنف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، نشأ في رعايته، وشرب من ينابيع مودته وحنانه، ورباه وفقا لما علمه ربه تعالى. يقول عليه‌السلام :

(وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمّني الى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسّني جسده، ويشمّني عرفه - رائحته الزكية - وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة - خطأ - في فعل). (ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوة).

كان أخلص الناس للرسول ولرسالته، وأسرعهم استجابة، وأكثرهم دفاعا. فعندما أذن الله تعالى لرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أن ينذر عشيرته الأقربين، وجمع الرسول عشيرته، وبلغهم رسالته، ثم سألهم من يجيبه ويؤازره، وقف علي بن أبي طالب قائلا: (أنا يا رسول الله أؤازرك على هذا الأمر).

وحيث لم يجب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أحد غيره التفت صلى‌الله‌عليه‌وآله الى مجيبه الوحيد قائلا:

(اجلس فأنت أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي).

ثم دخلت الدعوة الى الله مرحلة المواجهة - بعد انذار العشيرة - حيث أعلن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله دعوته العامة في البيت الحرام. واخذ عدد المؤمينن برسالة الله تعالى يتزايد، وبدأت قريش تصعّد من مواجهتها ضد المسلمين، فكانت الهجرة الى الحبشة، والحصار في شعب أبي طالب. وخلال ذلك كله كان علي عليه‌السلام الى جانب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يشاركه الهم والألم والحرص على رسالة الله تعالى.

ونام علي عليه‌السلام في فراش رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لدى هجرته الى يثرب، مفديه بنفسه.


مهمّات ما بعد الهجرة

واذا تتبعنا تلك المرحلة الدقيقة من عمر الرسالة الخاتمة لوجدنا أن دور علي بن أبي طالب عليه‌السلام فيها لم يرق اليه دور قط، فهو في جميع حروب الاسلام مع أعدائه، في معركة بدر، وفي معركة أحد، وفي غزوة الأحزاب، وفي غزوة خيبر، وفي غزوة حنين، ...، لقد شارك علي عليه‌السلام في حروب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله جميعا غير تبوك، ولم يحظ رجل في الاسلام بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ما حظي به علي بن أبي طالب عليه‌السلام من ثناء واجلال من لدن الرسالة الاسلامية،

وحثها المتزايد لأتباعها لا على تقديره فحسب، وانما على التزامه، وانتهاج سبيله.

وبعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وفي عهد الخلفاء، كان الامام علي عليه‌السلام ينهض بمسؤوليات عظيمة وكان دافعه في ذلك الاخلاص للرسالة، وحفظ الوحدة الاسلامية، وحماية المسيرة الاسلامية من الانحراف. وقد تنبه الخليفة الثاني الى أهمية ما يقوم به علي عليه‌السلام في هذا المضمار، فصرح مرارا مشيدا بذلك الفضل، ومنوها بأهميته في مسيرة الخلافة كقوله:

(أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن).


وغير ذلك من التصريحات.

بعد مقتل الخليفة عثمان أجمعت الأمة على بيعة الامام علي عليه‌السلام خليفة لها. وقد اجتاحت النفوس موجة من العاطفة نحوه، على ان عليا ليس ممن تغريه المناصب وتستهويه الكراسي حتى يستجيب فور اقبال الناس عليه، فبالرغم من ذلك، فانه عليه‌السلام بقي عند موقفه المتريث. بيد أن اصرار الأمة على بيعته جعله يطرح عليها شروطه لقبول الخلافة، فقد أذاع بيانه المتضمن لشروطه: (واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ الى قول القائل وعتب العاتب). وسارعت الأمة مذعنة لشروطه، ومدت يد البيعة على الطاعة اليه، ولبى هو مطلبها ليواجه مسؤولياته القيادية في الأمة الاسلامية على الصعيد الفكري والعملي. وقد كانت من أولى مهامه عليه‌السلام أن يزيل صور الانحراف التي طرأت على الحياة الاسلامية، وأن يعود بالأمة الى أصالة المنهج الالهي.

كان الامام علي عليه‌السلام يعلم ان العدالة الاسلامية التي أراد تطبيقها في حكومته ستكون ثقيلة على نفوس المنتفعين والانتهازيين، وقد صح ما توقعه الامام وقد جابه الامام علي عليه‌السلام أكبر مشكلة في تاريخ خلافته وهي الولاة الذين كانوا يحكمون الأقاليم الاسلامية الذين عينوا على عهد عثمان، وكان أغلبهم ظالما جائرا غير أمين على أموال المسلمين وأرواحهم وأعراضهم، وهم يعلمون عدالة علي وشدة تمسكه بالاسلام، لذا حاولوا التفاوض معه لأجل ابقائهم في مناصبهم وامتيازاتهم، فرفض ذلك بمبدئيته المعهودة. والسبب في رفض الامام للتعامل مع أولئك الولاة واقرارهم في أعمالهم يعود الى ان أغلبهم كان ظالما وأن برامجه كان يقتضي الاعتماد على عناصر متدينة مؤمنة وان اقراره أولئك الولاة في أعمالهم ولو الى حين، سوف لا يسمح له بعزلهم فيما بعد وانه اذا أقر أولئك الولاة في مناصبهم فان أي ظلم واعتداء أو ارتكاب محرم يصدر منهم سيتحمل مسؤوليته هو، لاسيما وهو يعلم حالهم كما ان اقرار الامام علي عليه‌السلام لأي من هؤلاء الولاة

الفاسقين سيعطي سابقة تاريخية وشرعية تسوغ وتجوز تعيين الولاة الفسقة أو اقرارهم في مناصبهم بحجة المصلحة الشرعية أو السياسية أو غير ذلك.


معركة الجمل

على الرغم من أن طلحة والزبير كانا من أشد الناقمين على سياسة عثمان، ومع أنهما سبقا الناس في البيعة للامام عليه‌السلام بعد مقتل عثمان، فان الحركة الاصلاحية التي قادها الامام عليه‌السلام في الحياة الاسلامية لم تجد هوى في نفسيهما، فبدآ في العمل للخروج على الامام عليه‌السلام ، واثارة المسلمين عليه، فكانت حصيلة ذلك فتنة كبدت الأمة خسارة فادحة، حيث أقنعا عائشة بنت أبي بكر - زوج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله - بالخروج معهما الى البصرة لقيادة عملية المعارضي ‌الله‌ عنه ضد علي عليه‌السلام . وقد بذل الامام عليه‌السلام جهدا كبيرا لتحاشي هذه الفتنة الا ان جهوده لم تلق استجابة لدى الطرف الآخر. وهكذا تفجر الموقف واندلع القتال بين المعسكرين وأسفرت المعركة عن انتصار معسكر الامام عليه‌السلام .


حرب صفين

وكما اشرنا فقد كانت أكبر مشكلة جابهها (الامام) أيام خلافته هي مشكلة الولاة الذين عينوا من قبل وكانوا يحكمون الأقاليم الاسلامية. ومنهم معاوية بن أبي سفيان، فعندما بايع المسلمون عليا عليه‌السلام طلب معاوية منه امارة الشام ومصر طعمة ليبايعه، فأبى ذلك الامام، فأشهر في بلاد الشام أن الامام عليا قتل عثمان، وحرضي‌ الله‌ عنهم على قتال علي بعنوان الطلب بدمه، وكان معاوية والي الشام بأسرها، يعيش فيها مترفا منعما، يعمل فيها ما يشاء ولم يكن يتحرج من شرب الخمر، وكان أشد الناس كرها لعلي عليه‌السلام ، حتى أنه كان يشتمه ويأمر موظفيه بشتم علي عليه‌السلام على المنابر. ولم يكن أمام الامام طريق وهو حامل راية الاسلام الا تغيير معاوية وامثاله وتعيين المؤمنين الصالحين من صحابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والسابقين الى الايمان محلهم، وقد أثار ذلك هؤلاء القوم المتضررين ووجدوا في معاوية ملجأ لهم، فانضموا الى لوائه، وأعلن معاوية تمرده على قرار الامام بعزله ورفضه اطاعة الخليفة الحق، وبدأ يعد العدة للوقوف بوجه امام زمانه، فتلاقى جيش الامام ومعاوية عند نهر الفرات.

وبدأ الامام عليه‌السلام يبذل مساعيه لاصلاح الموقف بالوسائل السلمية، ولما لم تلق محاولات الامام استجابة، تفجر الموقف بحرب واسعة النطاق استمرت اسبوعين بلا هوادة. وقد لاحت تباشير النصر لصالح معسكر الامام عليه‌السلام وأوشكت القوى الباغية على الانهزام، فدبروا (خدعة المصاحف) وكان لرفع المصاحف من قبل عسكر معاوية صدى عميق في معسكر الامام، اذ سرعان ما سارت كثرة كاثرة من جيشه مطالبة بايقاف القتال. ورغم أن الامام كشف خلفيات رفع المصاحف وانها خدعة يراد بها عرقلة تحقيق النصر الوشيك، الا أن المطالبين بايقاف القتال لم يستجيبوا لنداءاته فاضطر لقبول ايقاف القتال، كما انهم اجبروه ثانية لاختيار أبي موسى الأشعري لتمثيل معسكره في مهزلة التحكيم، التي جاءت لصالح البغاة في الشام.


حرب النهروان

بعد واقعة التحكيم عاد الامام بجيشه الى الكوفة، ففوجئ بخروج طائفة من جيشه، معلنة تمردها عليه، وكان قوامها من الفئات التي اضطرت الامام عليه‌السلام على قبول التحكيم. وقد عرف هؤلاء بالخوارج. حاول الامام عليه‌السلام في البداية أن يرجعهم الى الصواب، الا أنهم لم يصغوا الى توجيهاته، واستمروا في غيهم. وقد توجه الامام بجيشه اليهم من الأنبار، وعندما اقتربت قواته منهم بذل مساعيه من أجل اصلاح الموقف دون اراقة للدماء. وقد نجحت هذه المحاولة الى حد كبير، حيث تفرقوا شيئا بعد شيء، حتى انخفض عددهم من اثني عشر ألفا الى أربعة آلاف. وقد بدأ هؤلاء هجومهم على جيش الامام عليه‌السلام ، فواجهتهم قوات الامام، وتحقق الظفر التام لراية الحق.


في ذمة الله

أنهى الامام عليه‌السلام مقاومة المارقين، فاستعد لاستئناف قتال القاسطين في الشام. بعد أن فشل التحكيم عند اللقاء الثاني بين الحكمين. فأمر الامام بتعبئة الجيش، وأعلن حالة الحرب وبينما كان يواصل تعبئة قواته، كان يجري في الخفاء تخطيط لئيم من أجل اغتياله، فقد عقد جماعة من الخصوم اجتماعا بمكة المكرمة، وخرجوا بقرارات كان أخطرها قرار اغتياله، وقد أوكل أمر تنفيذه لعبد الرحمن بن ملجم المرادي، فضرب الامام بسيفه، وهو في سجوده عند صلاة الفجر في مسجد الكوفة وذلك في التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام (٤٠) للهجرة. وبهذا خسرت الأمة الاسلامية أروع فرصة في حياتها بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وسلم.


فاطمة الزهراء عليها‌السلام

ولدت فاطمة الزهراء في يوم العشرين من جمادى الآخرة بعد البعثة بخمس سنين ودرجت في بيت النبوة، وترعرعت في ظلال الوحي، و رضت مع لبن امها خديجة، حب الايمان ومكارم الاخلاق. وشاء الله أن تبدأ طفولتها في مرحلة من أشد مراحل الدعوة الاسلامية ضراوة ومحنة وأذى لامّها وأبيها. فقد كانت قريش تفرضي‌ المقاطعة والحصار على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأعمامه بني هاشم وأصحابه من الدعاة وطلائع الجهاد. لقد أحب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمة وأحبته ولم يكن أحد أحب الى قلبه ولا انسان أقرب الى نفسه من فاطمة، فكان يؤكد كلّما وجد ذلك ضروريا هذه العلاقة بفاطمة ويوضح مقامها ومكانتها في أمته ليعرف المسلمون مقام فاطمة، ومكانة الأئمة من ذريتها، ليعطوا فاطمة حقها ويحفظوا لها مكانتها، ويرعوا الذرية الطاهرة حق رعايتها. وتكبر فاطمة وتشب ويشب معها حب أبيها لها، ويزداد حنانه عليها وتبادله هذا الحب، وتملأ قلبه بالعطف والرعاية فيسميها (أم أبيها) وتهاجر من مكة الى يثرب بعد هجرة أبيها اثر اشتداد اذى قريش للمسلمين.


الزواج الفريد

زوج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مفاطمة من علي عليه‌السلام ، بمهر متواضع، وأثث بيتها بما يعادل هذا المهر لتعرف الأجيال فناء المادة وتصاغر شأنها أمام القيم والمعاني الانسانية الرفيعة. وأشرف بنفسه على تجهيز ابنته واعداد بيتها المتواضع، وراح علي من جانبه يهيّىء البيت ويعده أبسط اعداد ويزداد اهتمام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وعنايته بفاطمة ليعوضها غياب أمها خديجة، في مناسبة يكون للأمّ فيها شأن خاص، فيساهم هو بنفسه بزفاف فاطمة، ويطالب من أزواجه اعدادها وتهيئتها كما تعد الفتيات ليلة الزواج، ثم يدعو لاقامة الوليمة واعلان الزواج، ويولم علي الوليمة، ويساهم المهاجرون والأنصار في هذه المناسبة. وهكذا تم الزواج واكتمل بناء البيت الجديد، وارسى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قواعده الشامخة، فأرسى بذلك تشريعا وحياة وفلسفة للزواج والأسرة وقيمة سامية للمرأة في رسالته الانسانية الخالدة.


فاطمة الزوجة

انتقلت فاطمة الى بيت زوجها المتواضع، سعيدة راضية، وعاشت في كنف زوجها قريرة العين، فهي زوجة علي، بطل الاسلام، وحامل لواء النصر والجهاد، وعليها أن تكون بمستوى هذه المهمة الخطيرة، وأن تكون لعلي كما كانت أمها لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تشاركه في جهاده، وتصبر على قساوة الحياة ومرحلة الدعوة الصعبة التي يتصدر علي عليه‌السلام طلائعها ببطولة وبسالة، فكانت كذلك، وكانت بمستوى مهمتها التي اختارها الله تعالى لها. ولم يكن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ليترك هذا الغرس النبوي، دون أن يرعاه، فعاش الزوجان في ظل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عاشت فاطمة عليه‌السلام في بيتها كربة بيت، تعتني بشؤون منزلها وتدير حاجاتها بالاعتماد على جهودها وكانت تطحن الشعير وتدير الرحى بيدها، وتصنع أقراص الخبز بنفسها، وتكنس البيت، وتدبر مستلزمات الأسرة، وقد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلي عليه‌السلام يريان ذلك من فاطمة، فيشاركانها العناء، ويهونان عليها متاعب الحياة، بل وكانا يساعدانها في أعمال المنزل وتدبير شؤون البيت.


فاطمة الأمّ

وولدت فاطمة الحسن ثم الحسين ثم زينب الكبرى بطلة كربلاء وشريكة الحسين عليه‌السلام في جهاده وبطولته. ثم ولدت عليه‌السلام بنتا، كانت الرابعة وهي (زينب الصغرى) التي تلقب بام كلثوم. ان السنة النبوية تكشف لنا، أن فاطمة عليه‌السلام هي قاعدة أهل بيت الرسالة، وأم الأئمة عليه‌السلام ، وامتداد النبوة، تحدث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عنها وعن زوجها وابنيها الحسن والحسين، وعن حبه لهم وارتباطه بهم، لا ليعبر عن مشاعر القربى والنسب، أو رابطة العاطفة وعلاقة الأبوة، فهو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لسان الوحي الذي لا ينطق عن الهوى، وهو الذي يجسد بكل كلمة وعمل يصدر عنه حكما وتشريعا ومفهوما رساليا للمسلمين، فما كان قوله في علي وفاطمة والحسن والحسين الا تعبيرا عن مقامهم، ومكانتهم عند الله وتشخيصا لموقعهم ودورهم في حياة هذه الامة وتاريخها.


فاطمة المجاهدة

منذ أن دخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المدينة المنورة وحياته في المدينة المنورة حياة جهاد وبناء. ولقد مرت هذه الفترة الجهادية الصعبة، بكامل ظروفها وأبعادها بفاطمة عليه‌السلام . فقد شهدت جهاد أبيها وصبره واحتماله، شاهدته وهو يجرح في (أحد) وتكسر رباعيته، ويخذله المنافقون، ويستشهد عم أبيها حمزة ونخبة من المؤمنين معه. فتأتي أباها وهي تحاول تضميد جرحه وفي مواقع أخرى يتحدث لنا التاريخ عن مشاركة فاطمة بروحها ووجدانها ومشاعرها لأبيها صبره وجهاده فقد بلغ حبها لأبيها وايثارها له واهتمامها به، ومشاركته له في شدته، أنها جاءت يوم الخندق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله - وهو منهمك مع أصحابه في حفر الخندق، لتحصين المدينة وحماية الاسلام - تحمل كسرة خبز، فرفعتها اليه، فقال: (ما هذه يا فاطمة؟). قالت عليه‌السلام : من قرص اختبزته لابنيّ، جئتك منه بهذه الكسرة، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (يا بنية أما انها لأول طعام دخل في فم أبيك منذ ثلاث).

هذه صورة مشرقة لجهاد المراة المسلمة، تصنعها فاطمة في ظلال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

العبادة في منهج أهل البيت عليه‌السلام صياغة الحياة وملء أبعادها، وفق مشيئة الله، وصفاء العلاقة معه وشدة الارتباط به سبحانه، لذلك نجد الزهراء عليه‌السلام ، العابدة، الزاهدة، المتبتلة، التي سميت البتول لكثرة عبادتها وتبتلها، نشاهد حياتها جهادا، وعملا، وكفاحا، وزهدا، وعبادة وتبتلا. وهي التي قال عنها ولدها السبط الحسن عليه‌السلام :

(رأيت أمي فاطمة قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعة وساجدة، حتى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم بأسمائهم، وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء فقلت لها: يا أماه لم لا تدعين لنفسك، كما تدعين لغيرك، فقالت: يا بني الجار ثم الدار). انه خلق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الايثار، وحبّ الآخرين، والتجرد من الأنانية، والدعاء بالرحمة والمغفرة، وحب الخير للغير، انه القلب الكبير، المليء بالحب والعطف على هذه الانسانية، والداعي لها بالنجاة والهداية، فالدعوة بالخير لا تصدر الا عن قلب نقي محب للخير كقلب فاطمة عليه‌السلام .


فاطمة المحتسبة

ويبسط نور الرسالة اشعاعه في ربوع الجزيرة، ويكمل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله دينه، ويبلغ رسالته، أكمل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مهمته على الأرضي، وآن له أن يلتحق بربه، فيدنو منه نداء الأجل. ويمرضي‌ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ويشتد عليه مرضيه، وفاطمة عليه‌السلام تنظر اليه فتشعر أنها هي حاملة الألم والمرضه، وينظر صلى‌الله‌عليه‌وآله اليها، ولا يمنعه مرضه من العطف عليها وتخفيف الحزن والألم عن نفسها، خصوصا وهو يعلم ما ستعانيه فاطمة بفقده، ويأذن الله لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يلحق به، وتشتد الرزيّة على فاطمة عليه‌السلام وتظل تعيش بعد أبيها في حزن وألم. لم تعش الزهراء عليه‌السلام طويلا بعد أبيها، وكانت أول أهل بيته لحاقا به. لقد عاشت فاطمة عليه‌السلام هذه المدة صابرة محتسبة، قضتها بالعبادة والانقطاع الى الله سبحانه، كما ساهمت فيها مساهمة فعالة في قضية الخلافة والبيعة فكانت تقف الى جانب الامام علي عليه‌السلام ، وترى أن الخلافة له بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكانت تلتقي بالمهاجرين والأنصار وتحاورهم في ذلك.

هكذا طوت الزهراء فاطمة عليه‌السلام صفحة الحياة، لتبدأ مرحلة الخلود في عالم الفردوس، ولتحيا ابدا في ضمير التاريخ ودنيا الاسلام.


الامام الحسن عليه‌السلام

ولد الامام الحسن عليه‌السلام في الخامس عشر من شهر رمضان من السنة الثالثة من الهجرة، وقد كان للاعداد الأصيل الذي توفر للامام، أن وفّر لكيانه الروحي سموا شاهقا، فكان تقربه الى الله وانشداده اليه، أمرا يهز القلوب ويخشع له الوجدان. وكانت أخلاقه السامية نموذجا من أخلاق اهل البيت عليهم‌السلام .


دور الامام الحسن عليه‌السلام في الحياة الاسلامية

وقد بدأ دور الامام عليه‌السلام يتألق في دنيا الاسلام في وقت مبكر وقبل أن يتلقّى عهد الامامة من أبيه عليه‌السلام . برز دوره الايجابي منذ أن بايعت الجماهير المسلمة الامام عليا بالخلافة، وقد بلغ ذروته

بعد رحيل أبيه عليه‌السلام . والمتتبع لسيرة الامام الحسن عليه‌السلام يدرك أن دوره انما كان ذا شوطين متكاملين: أولا: في عهد أبيه عليه‌السلام ، تميز دور الامام عليه‌السلام في عهد أبيه عليه‌السلام وفي أيام خلافته على وجه التحديد بالخضوع التام لأبيه قدوة واماما، وقد كان يتعامل معه لا كابن بار له فحسب، وانما كجندي مطيع، وقد اشتركت مع أبيه في معارك الجمل وصفين والنهروان وابلى فيها بلاء حسنا. ثانيا: أيام حكمه عليه‌السلام بدأ الشوط الثاني من دور الامام الحسن عليه‌السلام في دنيا الاسلام بعهد ابيه له بالامامة.

وبعد وفاة الامام علي عليه‌السلام تمت البيعة للحسن عليه‌السلام خليفة وأميرا للمؤمنين في الكوفة، وفي امصار أخرى فيما بعد. وقد هز أمر البيعة معاوية، فدعا مستشاريه للتشاور حول الحوادث الجديدة، ولرسم سياسته التي يواجه بها الامام الحسن عليه‌السلام . فقرر المؤتمرون بث الجواسيس في داخل المجتمع الاسلامي الذي يقوده الامام، لبث الارهاب واشاعة الدعايات ضد حكم أهل البيت عليهم‌السلام . في الوقت الذي يمارس الحزب الاموي عملا واسعا لكسب الزعامات والوجوه المؤثرة في سير الحوادث في العراق لصالحه وذلك من خلال الرشاوى والوعود المغرية والتهديد والوعيد والى غير ذلك. على أن خطط الامام الحسن القاضية باحكام أجهزة الدولة وترسيخها سرعان ما كشفت الخطط الأموية.


وقد أعقب ذلك تبادل الكتب بين الامام الحسن ومعاوية، لكنها انتهت بدون نتيجة، وكانت نهايتها أذانا باقتراب المعركة. وكان معاوية هو البادئ باعلانها من جانبه، حيث حرك جيوشه نحو العراق. مما جعل الامام يبادر الى اعلان الدفاع لمواجهة العدو الزاحف. فقد أذاع بيانا دعا فيه الأمة الى حشد طاقاتها والتجهز للحرب. ومما يحز في النفس أن الجموع التي استمعت الى بيان الامام كانت قد غمرتها الاشاعات والدعايات الأموية، فبدلا من أن تهب للدفاع عن الحق، اصيبت بالذهول ولفها الارتباك، ووسط تلك الكتل المذهولة المهزومة، جلجل نداء النفر المخلصين للاسلام وقادة ركبه الحقيقيين من أهل البيت عليه‌السلام ، فعبروا عن اخلاصهم الذي لا يعرف التراجع، وصبوا لومهم على تلك الجموع المتخاذلة، وتقحموا الموقف بجرأة وثبات.

لقد خفّ المخلصون على الفور وعسكروا في النخيلة، وقد تبعهم الامام على اللحاق به بجيش كبير، لكنه ضعيف في معنوياته، يستبد به الخور والتشتت. ولم يمض بعض الوقت حتى طفت على السطح كل العلل التي تفشت في معسكر الإمام على شكل تمزق وخور وفتن واضطراب وتآمر

على القيادة ذاتها، ممّا اضطر الامام على توقيع وثيقة صلح مع معاوية.


مبررات الوثيقة

١ - خيانة قائده، عبيد الله بن العباس - والتحاقه بمعاوية، ومعه ثلثا الطليعة التي كلفت بمواجهة العدو الزاحف.

٢ - ان القوات العسكرية التي يقودها الامام عليه‌السلام كانت تتوزعها الشعارات والأهواء والمصالح والأفكار. ففيها جماعات زحفت من أجل الغنائم فحسب. وفيها الحاقدون - مجرد حقد على البيت الأموي - ولكن نفوسهم تنطوي على بغض امامة الحسن عليه‌السلام وأهل بيته كذلك. وفي الجيش عدد كبير من المتعاطفين مع الحزب الأموي في الشام طمعا بالوعود الملوح بها.

٣ - اغداق معاوية بالأموال الوفيرة على زعماء القبائل وأصحاب النفوذ في المجتمع العراقي.

٤ - اهتمام الامام عليه‌السلام بحقن دماء الأمة وحفظ دماء المخلصين فيها على وجه الخصوص.

٥ - قوة العدو وتمتع جيشه بروح انضباطية عالية في مقابل جيش الامام الذي استبد به الانشقاق.

٦ - محاولات الاغتيال التي تعرض لها الامام عليه‌السلام .

٧ - سلاح الدعاية الواسعة الذي استخدمه معاوية لبلبلة وتشويش ذهنية المجتمع العراقي.

٨ - رواج دعوة معاوية للصلح بين صفوف جيش الامام عليه‌السلام ، قبل قبولها من قبل الامام الحسن عليه‌السلام ، حيث وجدت تلك الدعوة هوى في النفوس المهزومة في معسكر الامام.

٩ - ان الامام عليه‌السلام وجد الأمة، سواء من حوله أو حول معاوية في غفلة عن واقعها المنحرف، فأراد أن يكشف زيف دعاة الفتنة ومدى تنكبهم عن الصراط المستقيم وجحودهم للعهود والمواثيق، وتلهفهم للسلطة واستهانتهم بمقدرات الأمة ومقررات الاسلام، ليكون ذلك كله تعرية لما آل اليه الحكم. ومن المناسب هنا أن ندون أهم بنود الوثيقة التي أبرمها الامام عليه‌السلام مع معاوية:

أولا: أن يتولى ادارة شؤون الأمة معاوية، شريطة أن يلتزم بكتاب الله وسنة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله

ثانيا: أن يتولى الامام الحسن عليه‌السلام مهام القيادة في الأمة بعد وفاة معاوية، فان كان أجل الحسن قد حل حينئذ، فالحسين يتولى الأمر.


ثالثا: أن يمنح الناس حق التمتع بالحرية والاستقرار، سواء أكانوا عربا أم غير عرب، من أهل الشام، أم من أهل العراق، وأن لا يؤاخذوا على مواقفهم السابقة من الحكم الاموي. هذه أهم البنود التي اتفق الطرفان بشأنها والوثيقة تعتبر أقصى ما كان بامكان الامام السبط عليه‌السلام أن يحققه للأمة ولرسالتها، ولو كان هناك من بديل أفضل يستطيع أن يحققه لما توانى عن اتيانه بحال.

ولعل في ردوده التالية على المعترضين على الوثيقة خير توضيح لأهمية مواقفه هذه في دنيا المسلمين، فقد قال عليه‌السلام لبشير الهمداني عندما لامه على الصلح:

(لست مذلا للمؤمنين، ولكني معزهم، ما أردت بمصالحتي الا أن ادفع عنكم القتل، عندما رأيت تباطؤ أصحابي ونكولهم عن القتال). حيث كان المعترضي‌ احد المرتعدين من القتال. وقال عليه‌السلام لمالك بن ضمرة: (اني خشيت أن يجتث المسلمون عن وجه الأرض. فأردت أن يكون للدين داع). وقال عليه‌السلام مخاطبا أبا سعيد: (يا أبا سعيد! علة مصالحتي لمعاوية، علة مصالحة رسول الله لبني ضمرة، وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية).


فترة ما بعد الوثيقة ووفات الامام الحسن عليه‌السلام

بعد توقيع الوثيقة، بقي الامام البسط عليه‌السلام في الكوفة أياما قليلة، ثم تهيأ للسفر الى المدينة المنورة، وما أن استقر هناك، حتى مارس مسؤولياته الرسالية بنمط جديد. فاذا كان بالأمس حاكما يدير شؤون الأمة ويخطط لمستقبلها من خلال منصب الامامة فانه بعد الوثيقة اختط دربا جديدا، حيث أنشأ مدرسة وقيادة فكرية كبرى. وأوجد تيارا اسلاميا واعيا لدوره الرسالي في الحياة. كما صار واضحا للأمة أن الامامة الشرعية، هي حق لأهل البيت عليه‌السلام والحسن عليه‌السلام في طليعتهم، وأن معاوية وأضرابه لا يصلحون للحكم قط، وأن طاعتهم لا تتفق والخط الاسلامي الصحيح. على أن أجهزة الحكم الأموي لم يكن خافيا عليها ذلك النشاط الاسلامي، فكانت تحسب حسابه وتدرك نتائجه، ومن أجل ذلك تم اغتيال الامام الحسن عليه‌السلام بالسم، حيث دسه معاوية من خلال زوجة الامام (جعدة بنت الأشعث). في السابع من صفر - أو في الخامس والعشرين من ربيع الأول - سنة خمسين للهجرة.


الامام الحسين عليه‌السلام

ولد الامام الحسين عليه‌السلام في الثالث من شعبان في السنة الرابعة من الهجرة.

عايش الحسين عليه‌السلام - مثل أخيه الحسن عليه‌السلام - مرحلة الاعداد الالهي لتحمل أعباء الرسالة وخضع الى لون من التربية والتوجيه والانشاء الروحي والفكري تحت اشراف جده محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وأبيه علي وأمه الزهراء عليه‌السلام ، فجاءت ملامح شخصيته تجسيدا لرسالة الله، فكرا وعملا وسلوكا.


دور الامام الحسين عليه‌السلام في تخليد الاسلام

والمتتبع لحياة الحسين عليه‌السلام يدرك أن دوره في الحياة الاسلامية بدأ مبكرا فقد كان دوره جليا في امامة أبيه أمير المؤمنين عليه‌السلام اذ شارك في حروبه الثلاث: الجمل وصفين والنهروان.

أما في امامة أخيه الحسن عليه‌السلام فقد عاش جنديا مطيعا لأخيه، فعايش معه حوادث امامته بما فيها وثيقة الصلح. ثم رحل الى المدينة مع أخيه وبقية أهل البيت عليه‌السلام ليمارسوا دورهم الرسالي في حفظ الرسالة من تيار التحريف المتعاظم.

على أن دور الامام الحسين بعد رحيل أخيه الحسن عليه‌السلام ، دخل مرحلة جديدة، وفقا للملابسات التي استجدت في مسيرة الأمة، وحيث أن كل امام يتحدد دوره وفقا لطبيعة الظروف الاجتماعية والفكرية والسياسية، فان الحسين عليه‌السلام اختط طريقا جديدا في تحديد مسار الحركة الاسلامية الأصيلة التي اضطلع بقيادتها بعد وفاة أخيه.

لقد واجه الامام الحسين عليه‌السلام المخطط الأموي المنحرف في الحياة الاسلامية، وعايش حوادثه بعد توقيع الوثيقة. كما ان معاوية استكمل مخططه في نقض كل بند من بنود الوثيقة التي عقدها مع الامام الحسن عليه‌السلام وارتكب خطأ تجاوز فيه حدود المفهوم الاسلامي في الحكم، من خلال اتخاذ الوراثة ذات الطابع الدكتاتوري أطروحة للحكم. الأمر الذي ع رضي‌الله‌عنه المبدأ الاسلامي والأمة الاسلامية الى أعنف كارثة في تاريخها حيث بدأ مسار حركتها يأخذ طريقه باتجاه مغاير للخط الاسلامي الأصيل. ومنح يزيد السلطة ليقود الأمة الاسلامية، ويخطط لمستقبلها ويحدد مسارها، معناه الانهاء العملي للوجود الاسلامي وعودة الجاهلية، ولكن بثوب جديد.


ولقد كان الحسين عليه‌السلام يدرك ذلك الخطر وتمشيا مع متطلبات الرسالة الاسلامية والشروط

الموضوعية التي يشترط توفرها في الحاكم المسلم، انطلق الحسين عليه‌السلام لبلورة هذه المسألة في ذهنية الجماهير المسلمة، عن طريق الخطب والبيانات في كل فرصة يجدها مناسبة للبيان. كما أن وفاءه بالتزاماته نحو شريعة الله تعالى كان يف رضي‌الله‌عنه عليه سلوك منهج الثورة ولا سبيل سواه فبدون الثورة لايرتجى أي اصلاح، وبيان ثورته عليه‌السلام الأول يجسد هذه الحقيقة بكل مدلولاتها الايجابية: (واني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب).

هذه هي المبررات الأساسية التي منحت الحسين عليه‌السلام وأصحابه حق اعلان الثورة ضد الحكم الاموي.

وفي الثامن من ذي الحجة سنة (٦٠) للهجرة، سار ركب الحسين عليه‌السلام الى العراق وهو واثق من قتله، ولكنه كان واثقا من أن النصر الحقيقي لرسالة الله تعالى سيكون باستشهاده، ومن أجل هذا سلك درب الشهادة والتضحية. وكان واثقا من أن الأمة لا تستيقظ الا بهزة كبرى، ولتكن الهزة استشهاده ومن معه من ذرية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي العاشر من محرم الحرام من سنة٦١ للهجرة استشهد الحسين عليه‌السلام وانصاره. وعانق الحسين عليه‌السلام صعيد الطفوف، واسترسل جسده ممتدا على بطاح كربلاء لينتصب من حوله مشعل الحرية والكفاح.


مردودات الثورة

استهدفت ثورة الحسين عليه‌السلام خلق مناخ ملائم لصنع تيار عملي مضاد للتيار الأموي المنحرف يكون بمقدوره أن يطيح بالوجود الأموي، ويعيد الهدى للأمة. ولقد جاءت النتيجة كما خطط لها، فبعد مقتل الحسين عليه‌السلام وأصحابه، فقد الحكم الأموي، مبرّرات وجوده، فقد تمت تعريته تماما، وافتضح للأمة، وحتى الذين شاركوا في مأساة الطف لصالح البيت الأموي تعرضوا لتحول داخلي عنيف تحت مطارق تبكيت الضمير. وتعرض المجتمع الاسلامي الى زلزال عنيف تمثل بسلسلة من الانتفاضات الغاضبة، كثورة التوابين في العراق، وثورة المختار الثقفي وكذلك ثورة المدينة وسواها، ولئن لم تنه الثورات المذكورة الوجود الأموي جذريا، فقد عبرت عمليا عن تصاعد تيار الرفض للانحراف وتعاظمه، وبالاضافة الى تعبيره الحي عن انعطاف سيرة الأمة عمليا لغير

صالح السياسة الأموية، ولقد استغلت الدعوة العباسية كثيرا من تنامي ذلك التيار، وامتصت قواه تحت شعارات النصرة لأهل البيت عليه‌السلام ، ممّا وفر لها فرص التصفية العملية للوجود الأموي.


الامام علي بن الحسين عليه‌السلام

ولد الامام علي بن الحسين عليه‌السلام في الخامس من شعبان سنة ثمان وثلاثين من الهجرة. وقد جعلت التربية الرائعة التي تلقاها الامام - والمناخ الرسالي الذي أعد لتوجيهه وصنع شخصيته، منه تجسيدا حيا لرسالة الله تعالى في الفكر والعمل. ولحكمة الهية بالغة بقي الامام السجاد عليه‌السلام حيا بعد واقعة الطف التي حلت ببيت الرسالة في كربلاء، فقد كان الوحيد من بين الشباب الذي لم يتع رضي‌الله‌عنه للقتل. وكان المرض الذي استبد به أثناء المعركة المبرر المنظور لاسقاط واجب الجهاد بالسيف عنه. وبعد حوادث (الطف) مباشرة بدأ السجاد عليه‌السلام يقود الحركة الاصلاحية وفقا لمقتضيات المصلحة الاسلامية العليا. والمتتبع لطبيعة دور الامام السجاد عليه‌السلام في الحياة الاسلامية بعد عودته الى المدينة، يلمح أنه قد رسم منهجة العملي بناء على دراسة الأوضاع العامة للأمة بعد ثورة الامام الحسين عليه‌السلام وتشخيص نقاط ضعفها ومقومات نهوضها، حيث مارس عليه‌السلام دوره من خلال العمل على انماء التيار الرسالي في الأمة، وتوسيع دائرته في الساحة الاسلامية. وبدأ ثورة روحية وثقافية في دنيا المسلمين استهدفت:

١ - توسيع القاعدة الشعبية الموالية لأهل البيت عليه‌السلام وتكثيف التعاطف معهم، وتحويله الى ولاء حقيقي فاعل.

٢ - العمل على رفع مستوى الوعي الاسلامي، والانفتاح العملي على الرسالة الالهية في قطاعات الأمة المختلفة.

٣ - خلق قيادات فكرية متميزة تحمل الفكر الاسلامي الصميم، لا الفكر الذي يدور وفقا لمقتضيات السياسة، التي يقودها الحكم الأموي.


وازاء الحوادث المريرة التي مرت بالامة الاسلامية التزم الامام السجاد عليه‌السلام جانب الابتعاد عن أي موقف يلفت أو يثير السلطات. ولم ينضو تحت أي لواء قط، مهما كان لونه وأهدافه، لعلمه ابتداء أن تلك الحوادث لا تنتهي الا بالشكل الذي انتهت اليه فيما بعد، كنتيجة طبيعية لضخامة القوى التي يقودها البيت الأموي، وشراستها أولا، ولانفراط عقد اجتماع الأمة وتبعثر قواها ثانيا.

وهكذا ظل الامام عليه‌السلام متمسكا بالنهج الاصلاحي والتوعية العامة الفكرية والتوجيه الروحي والحلقي، لعلمه أنه الطريق الطبيعي والشرعي الأفضل لحماية رسالة الله تعالى في تلك الظروف، وحفظ البقية الباقية من أهل البيت عليه‌السلام مستفيدا في انجاح خططه الاصلاحية تلك من انشغال الحكم الأموي بالوضع المتدهور والانتفاضات الاسلامية الرافضة. على أن تدهور الأوضاع لم يستمر هكذا على وتيرة واحدة في عصر الامام عليه‌السلام ، وانما توفر للحكم الأموي أن يستعيد هيبته، ويصفي خصومه بشكل تام، أيام عبد الملك بن مروان. ولقد تبنى الحكم الاموي بقيادة عبد الملك شعار التصفية للوجود الرسالي وفي طليعته القوى ذات التأثير الفاعل فيه، ونفذت تلك الخطة من خلال تعيين الحجاج بن يوسف الثقفي واليا على الكوفة - عاصمة أهل البيت عليه‌السلام - الذي نشر في ربوعها الدمار، وأشاع الرعب والموت، فقتل المؤمنين على التهمة والظنة. وفقد أتباع أهل البيت عليه‌السلام عبر تلك المحنة الكثير من رجالهم الأفذاذ، كسعيد بن جبير، وكميل بن زياد وسواهما. وبعد موت عبد الملك تسلم الوليد ابنه الأمر بعده، في وقت صفيت فيه المعارضية أو كادت، ولم يبق غير الامام السجّاد عليه‌السلام متابعا خطواته الاصلاحية في الأمة. الأمر الذي يقض مضاجع قادة الحكم الأموي ويثير مخاوفهم، وقد أدركوا أن ايقاف مسيرة الامام عليه‌السلام تلك لا تتم بارهابه، ومن هنا فان خططهم اتجهت لتصفية الامام عليه‌السلام ذاته، وهكذا كان، فقد اغتاله سليمان بن عبد الملك في عهد الوليد من خلال سم دسه اليه، بيد أن افكار الامام واهدافه بقيت حية نابضة بالحياة، متدفقة بالخير، تسيّر التاريخ الانساني، حاملة المشعل المتفجّر بالفضيلة والهدى.


الامام محمد الباقر عليه‌السلام

ولد الامام محمد الباقر عليه‌السلام في غرة رجب من عام (٥٧) من الهجرة، وعاش في كنف جده الحسين أكثر من ثلاث سنين، وشهد مأساة الطف في مستهل عمره وتفيأ ظلال الرسالة والامة برعاية أبيه السجاد عليه‌السلام طوال سنوات امامته، وتلقى علوم الاسلام وتراث الأنبياء عليه‌السلام من أبيه خلال تلك الفترة، ولقب بالباقر، أي المتبحّر بالعلم المستخرج لغوامضه، ولبابه وأسراره، والمحيط بفنونه. والذروة التي بلغها الامام الباقر عليه‌السلام في الفكر والعمل، جعلت المؤالف والمخالف يجمعان على فضله وسمو مكانته واذا تتبعنا عصر الامام الباقر عليه‌السلام لوجدنا أن نحو ثلثي فترة امامته قد مالت الى حالة تجميد الصراع مع السلطات، ابتداء من أواخر حكم الوليد بن عبد الملك حتى السنوات الأولى من حكم هشام بن عبد الملك. فقد كان الحكام الذين سبقوا هشاما منشغلين اما

بألوان الترف واللهو والمجون، أو بتصفية بعضهم بعضا، باستثناء عمر بن عبد العزيز الذي سلك سياسة منفتحة مؤطرة تختف عن أسلافه. ولقد أفاد الامام الباقر عليه‌السلام كثيرا من تلك الأوضاع السياسية فعمل من أجل تختلف استكمال ما بدأه الامام السجاد عليه‌السلام في عمله التغييري خلال تبنّيه السياسة التعليمية المعطاءة، ومارس نشاطا تثقيفيا على أعلى المستويات، من أجل رفد الحركة التغييرية بمزيد من الكوادر الرسالية الواعية. واستقطب نشاط الامام المكثف الكثير من رواد المعرفة الاسلامية وقصده أغلب رجالات الفكر من معتزلة ومتصوفة وخوارج وسواهم للمناظرة أو للافادة من علمه ولقد امتازت مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام في عصره، بمعارفها وسعتها.


ولم تكن وقفا على الخواص من رواد العلم وأرباب المعرفة، وانما صارت لها امتدادات أفقية أوسع من ذلك، فان القواعد الشعبية كان لها قسطها الوافد في تلقي الفكر الاسلامي من خلال مدرسته. كما ان داره بالمدينة المنورة كانت مركز اشعاع للهداية والفضيلة تنشد اليها القلوب، وتتجه اليها أنظار الراغبين لمعرفة أحكام الشريعة وطرق الهداية نحو الله. وقد امتدت امامته تسع عشرة سنة، وبتولي عمر بن عبد العزيز قيادة الحكم الأموي حدث تحول كبير في موقف السلطة من أهل البيت عليه‌السلام كان فيه شيء من الاعتدال.

على أن زعامة عمر بن عبد العزيز لم تدم أكثر من سنتين وخمسة أشهر، عادت الامور بعدها الى ما كانت عليه. واذا لم تحقق المضايقة الأموية غاياتها الدنيئة في صد الامام الباقر عليه‌السلام عن النهوض بمهامه الرسالية العظمى، فقد رأت السياسة المنحرفة أنه ليس لها عن اغتياله بديل. وهكذا دس اليه السم في عام (١١٤) هـ. فرحل الى ربه، صابرا محتسبا.


الامام جعفر الصادق عليه‌السلام

في المدينة المنورة في السابع عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين من الهجرة، ولد الامام جعفر بن محمد عليه‌السلام وترعرع في ظلال جده السجاد عليه‌السلام وأبيه الباقر عليه‌السلام وعنه أخذ علوم الشريعة ومعارف الاسلام.

وهكذا فان الصادق عليه‌السلام يشكل مع آبائه، حلقات متواصلة مترابطة متفاعلة، لا فاصلة فيها ولا غريب مجهول يخترق امتدادها، حتى تتصل برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد أوضح الامام الصادق عليه‌السلام هذه الحقيقة بقوله: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث

جدي حديث علي بن أبي طالب، وحديث علي حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وحديث رسول الله قول الله عز وجل).

ومن هنا نكتشف مقام الامام الصادق عليه‌السلام ومكانته.


مكانة الامام الصادق عليه‌السلام ومقامه الاجتماعي

لم يحتل أحد المكانة المرموقة والمقام السامي في عصر الامام الصادق كالمكانة التي احتلها هو، فقد كان له موضع خاص ومقام فريد في نفوس كل الذين عاصروه. فعامة المسلمين وجمهورهم كانوا يرون جعفر بن محمد عليه‌السلام سليل بيت النبوة، وعميد أهل البيت، ورمز المعارضية للظلم والطغيان الأموي والعباسي. كما انّ أهل العلم والصلاح كانوا يرون فيه اماما وعالما وأستاذا فذا، وكذلك رجال السياسة والحكم، وقادة الجمهور لم يكونوا ليجهلوا الامام ولم يعدوه، فقد كانوا يرون فيه الشخصية الاجتماعية المرموقة، والقوة السيايسة الفعالة والقطب القيادي الذي لا يمكن تجاهله.

عايش الامام الصادق عليه‌السلام الحكم الأموي مدة تقارب (٤٠) سنة، حتى سقوط الحكم الأموي سنة(١٣٢)هـ. ثم آلت الخلافة الى بني العباس، فعاصر من خلفائهم أبا العباس السفاح وشطرا من خلافة أبي جعفر المنصور تقدر بعشر سنوات تقريبا. وشاهد بنفسه محنة آل البيت عليه‌السلام وآلام الأمة وآهاتها وشكواها وتململها، وفي تلك الفترة من حياة الامام وقعت حوادث سياسية خطيرة، في حياة الأمة هي: ثورة زيد سنة(١٢١)هـ، وسقوط الدولة الأموية سنة(١٣٢) هـ، وثورة محمد النفس الزكية سنة(١٤٥) هـ. هكذا عايش الامام الصادق عليه‌السلام هذه الاجواء السياسية المضطربة الا أنه استطاع بحكمته، وقوة عزيمته أن يؤدي رسالته العلمية، وأن يفجر ينابيع العلم والمعرفة ويخرّج جيلا من العلماء والفقهاء والمتكلمين.


مكانة الامام الصادق عليه‌السلام العلمية

تميز عصر الامام الصادق عليه‌السلام بأنه عصر النمو والتفاعل العلمي والحضاري بين الثقافة والتفكير الاسلامي من جهة، وبين ثقافات الشعوب ومعارف الأمم وعقائدها من جهة أخرى.

فنشأت في المجتمع الاسلامي حركة علمية وفكرية نشطة، وعرف المسلمون خطا جديدا من التفكير العقائدي والفلسفي. ولم يكن هذا الغزو والتفاعل الحضاري ليمر دون أن ينتج أثرا أو رد

فعل في التفكير والمعتقد الاسلامي، لذا فقد نشأ تيار من الشك والالحاد، وفرق كلامية، وآراء شاذة. والى جانب ذلك، فان المجتمع الاسلامي شهد نموا وتطورا كبيرا فاستجدت وقائع وحوادث وقضايا سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة تحتاج الى بيان رأي الشريعة، وتحديد الموقف والحكم الشرعي منها. وكان حصيلة ذلك أن نشأت الآراء والمذاهب الفقهية، ونشط علماء الفقه والاجتهاد. وسط هذه الأجواء والتيارات والمذاهب والنشاط العلمي والثقافي، عاش الامام الصادق عليه‌السلام ومارس مهماته، ومسؤولياته العلمية والعقائدية كامام وأستاذ وعالم، مسؤول عن نشر الشريعة وحفظ أصالتها ونقائها، وهو في ظل أبيه الامام محمد الباقر عليه‌السلام ، ساهم معه في تأسيس جامعة أهل البيت في المسجد النبوي الشريف، وقاما بنشر العلم والمعرفة، وبثهما بين الفقهاء والمفسرين والمحدثين ورواد العلوم المختلفة، فكان العلماء ومشايخ العلم ورواد المعرفة يفدون عليهما وينهلون من موردهما العذب، حتى لم يؤخذ من أحد من أئمة المسلمين من العلوم ومعارف الشريعة، كالتفسير والحديث والعقيدة والاخلاق وغيرها، كما أخذ عن الامامين الباقر والصادق عليه‌السلام . ولم يكن الامام جعفر الصادق عليه‌السلام مجتهدا ولا صاحب رأي اجتهادي، بل كان مواصلا لمسيرة الرسالة وراويا لآثار أهل البيت عليه‌السلام ، فمنها يغترف وبها يفتي المسلمين، وعليها يعتمد، فكانت مدرسته ومنهجه امتدادا للسنة النبوية، وكشفا عن محتوى الوحي القرآني، واظهارا لمضمونه.


وفات الامام الصادق عليه‌السلام

بعد هذا العمر المليء بالعلم والعمل، والسعي والجهاد، والفضل والتقوى، فارق حفيد الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، الامام جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام الحياة، صابرا على كل ما أصابه من ظلم وجور، منيرا للأمة طريق سعادة الدارين، رافعا للأجيال راية الكفاح من أجل الحفاظ على شريعة الله تعالى، ومقاومة كل ضلال وانحراف، وانتقل الى جوار ربه في شهر شوال سنة(١٤٨) هـ - وكانت وفاته بالمدينة المنورة،. ودفن في مقبرة البقيع.


الامام موسى الكاظم عليه‌السلام

ولد الامام موسى بن جعفر عليه‌السلام في السابع من صفر سنة(١٢٨) هـ - في (الأبواء) بين مكة

والمدينة وعاش في كنف أبيه الامام جعفر الصادق عليه‌السلام ، ودرج في مدرسته العلمية الكبرى، فورث علوم أبيه، وتشبع بروحه وأخلاقه، وشب على صفاته وخصائصه، فكان عليه‌السلام مثالا في الخلق الرفيع، وفي الكرم والزهد والصبر، ومثلا أعلى في الثبات ومقارعة الحكام الطغاة. وكانت حياته امتدادا واستمرارا لمسيرة أهل البيت عليه‌السلام .

ولشدة تحمله وصبره على الأذى وكظمه للألم والغيظ، ودماثة خلقه، ومقابلته الاساءة بالاحسان لقب بـ(الكاظم).


مدرسة الامام الكاظم عليه‌السلام ومقامه العلمي

كان عصر الامام الكاظم عليه‌السلام زاخرا بالتيارات والمذاهب الفلسفية والعقائدية والاجتهادات الفقهية، ومدارس التفسير والرواية. فلقد كانت تلك الفترة أخطر الفترات التي عاشها المسلمون، فقد تسرب الالحاد والزندقة، ونشأ الغلو، وكثرت الفرق الكلامية التي حملت آراء وافكار اعتقادية شتى، وتعددت مذاهب الفقه. وعلى الرغم من حراجة الظرف السياسي، وتضييق الحكام على الامام عليه‌السلام ، الا انه لم يترك مسؤوليته العلمية، ولم يتخل عن تصحيح المسار الاسلامي. فتصدى هو وتلامذته لتيارات الالحاد والزندقة - كا تصدى أبوه الصادق وجده الباقر من قبل - لتثبيت أركان التوحيد، وايجاد رؤية عقائدية أصيلة تشع بروح التوحيد، وتثبت في أعماق النفس والعقل. كما أغنى عليه‌السلام مدرسة الفقه بحديثه ورواياته وتفسيره.


الظرف السياسي الذي أحاط بعصر الامام الكاظم عليه‌السلام

والفترة التاريخية التي عاشها الامام الكاظم عليه‌السلام من الفترات الصعبة في حياة أ

الامام الرضا عليه‌السلام

ولد الامام علي الرضا بن موسى الكاظم عليه‌السلام في المدينة المنورة سنة(١٤٨) هـ - فنشأ في ظل أبيه وتلقى عليه معارفه وعلومه وأخلاقه وأدبه الذي ورثه عن آبائه، فكان حريا به أن يكون الامام والعالم والمرشد، يتولى ويغذي مدرسة أهل البيت عليه‌السلام بالعلم والمعرفة، ويحتل موقع القيادة والزعامة في نفوس المسلمين. عاصر الامام من خلفاء بني العباس المهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون. وقد كانت هذه الفترة من أكثر فترات الفكر والثقافة الاسلامية توسعا ونموا، وفيها عاش مؤسسو

المذاهب الفقهية. وكان مفزع العلماء وملجأ أهل الفكر والمعرفة، يناظر علماء التفسير ويحاور أهل الفلسفة والكلام، ويرد على الزنادقة والغلاة، ويوجه أهل الفقه والتشريع ويثبت قواعد الشريعة وأصول التوحيد. وقد شهد العلماء والفقهاء والحكماء بسعة علمه واحاطته بمحتوى الكتاب المجيد وأسراره ومعارفه، وشهدوا بغزارة علمه وقوة حجته وتفوق بيانه على خصوم الاسلام في مجالس المناظرة والافتاء ومجالس الحوار والمحاججة، وكان المأمون يعقد مجالس المناظرة، ويدعو العلماء المسلمين والمتكلمين وأصحاب الرأي وعلماء الأديان والدعوات المختلفة ويدعو الامام عليه‌السلام للمحاججة والحوار والمناظرة. وقد حاز الامام، كل هذه الصفات، فاستحق أن يكون الامام وولي الأمر والمرجع لعلماء الأمة وقادة الفكر. ولم يكن الامام ليحيا بعيدا عن الصراع العلوي مع العباسيين دون أن يصيبه الأذى وتحل به الكروب والمحن. ان تردي الاوضاع السياسية، قد انعكس على طبقات الأمة كافة، لذا كان الراي العام قد اتجه بشكل قوي نحو أهل البيت عليه‌السلام ، فقد كانوا هم المفزع للأمة، ومحور التجمع والمعارضية، وكانت القلوب تفيض بحبهم والولاء لهم وتثق بما ترى منهم من ورع وعلم وتقوى وصدق في القول والعمل. كما ان الثورات العلوية كانت متواصلة ضد الدولة العباسية، التي كانت قد مرت بمرحلة صراع حاد بين الأمين والمأمون. فاخترع المأمون مشروعا سياسيا لتطويق الامام علي بن موسى الرضا عليه‌السلام ، وهو المبايعة له بالخلافة وولاية العهد من بعده. ليضم اليه قوى المعارضية ويجمع جناحي القوة العلوية والعباسية بيده كما تصور.


وكان الامام الرضا عليه‌السلام يدرك الخطة السياسية للمأمون ولم يكن مطمئنا اليها وقد اضطر تحت التهديد لقبول البيعة ولكي لا يتحمل شيئا من تبعات الحكم، اشترط القبول الرمزي دون التدخل في شيء، أو تحمل أية مسؤولية في الدولة. وتمت البيعة في رمضان سنة احدى ومائتين للهجرة. على أن موقعه الذي لم يتجاوب معه كان يؤهله لصد بعض المظالم وتحقيق بعض المصالح.

فهو موقع سياسي مناسب لممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصورة تحقق قدرا من المصلحة لابناء الأمة. كان المأمون يريد بذلك تهدئة الأوضاع المحيطة به لحين استتباب الأمن له وتثبيت أركان ملكه. ولقد كان الامام يدرك ذلك بوضوح، فالمأمون ليس ذاك الشخص الذي كان زاهدا في الملك والسلطة، فقد قتل أخاه الأمين من أجلها، وقتل من خدموه وخدموا سلطة أبيه الرشيد، وآخرين ممن ساهموا في تنفيذ خططه وتثبيت سلطته هو.

لذلك فان التاريخ يحدثنا أن المأمون قد دس السم في بعض طعام الامام الرضا عليه‌السلام فاغتاله.

وهكذا رحل الامام أبو الحسن الرضا عليه‌السلام وكانت شهادته في اليوم الأخير من صفر سنة ٢٠٣

هـ - بمدينة طوس التي دفن فيها، وتعرف اليوم بمدينة مشهد.


الامام محمد الجواد عليه‌السلام

ولد الامام محمد الجواد ابن الامام علي الرضا عليه‌السلام في رمضان سنة(١٩٥) هـ بالمدينة المنورة، في فترة حافلة بالحوادث والظروف السياسية في مرحلة الصراع، وتوتر العلاقات في الخلافة العباسية بين الأمين والمأمون. ولم تكن الحوادث السياسية وظروف الصراع لتنتهي دون أن تعكس آثارها على حياة الامام الرضا عليه‌السلام وبالتالي على حياة الجواد عليه‌السلام فلقد توجه نظر المأمون الى الرضا عليه‌السلام واستدعاه الى عاصمة خلافته مرو، وقد توجه الامام الى هناك دون صحبة ولده الامام الجود، لقد أحس الجواد عليه‌السلام لوعة الفراق ومرارة البعد عن أبيه. وقد ذكر المؤرخون أن الرضا عليه‌السلام كان يخاطب ابنه الجواد عليه‌السلام وهو يكاتبه بالتعظيم والاجلال، ويكنيه بابي جعفر. وقد حفظ لنا التاريخ بعض هذه الرسائل، التي نكتشف من خلالها مدى العناية والرعاية التي كان يوليها الامام الرضا عليه‌السلام لولده الجواد عليه‌السلام ليعده ويربيه تربية تتناسب والمقام الكريم الذي ينتظره.


مقام الجواد عليه‌السلام العلمي

ساهم الامام الجواد عليه‌السلام طيلة فترة امامته التي دامت نحو سبعة عشر عاما في اغناء مدرسة أهل البيت العلمية، وحفظ تراثها. وقد اعتمد الامام - مثل آبائه عليه‌السلام - في منهجه العلمي على عدة أساليب أشهرها:

١ - أسلوب التدريس وتعليم التلاميذ والعلماء القادرين على استيعاب علوم الشريعة ومعارفها، وحثهم على الكتابة والتدوين وحفظ ما يصدر عن أئمة أهل البيت عليه‌السلام ، أو أمرهم بالتأليف والتصنيف ونشر ما يحفظون لبيان علوم الشريعة، وتعليم المسلمين وتفقيههم، أو للرد على الأفكار المنحرفة..

٢ - أسلوب نشر العلم والمعرفة، وتوسيع دائرة الدعوة الى الاسلام، والتعريف بالفكر الاسلامي، وتثبيت أركان العقيدة والشريعة على ضوء مدرسة أهل البيت عليه‌السلام ، وما أثر وروي وأخذ عنهم.

٣ - أسلوب المناظرة والحوار العلمي، وقد حفظت لنا كتب الحديث والرواية أنماطا غنية من الاحتجاج والمناظرة في شتى صنوف العلم والمعرفة والدفاع عن الاسلام وتثبيت أركانه في مجال التوحيد والفقه والتفسير والرواية وأمثال ذلك.


موقف السلطة من الامام الجواد عليه‌السلام

ان دراسة وتحليل موقف الخليفتين العباسيين المأمون والمعتصم من بعده، من الامام الجواد عليه‌السلام يشير بوضوح الى أهمية شخصية الامام القيادية وموقعه الرفيع في النفوس، وميل الأمة اليه باعتباره الرمز الممثل لامامة أهل البيت في تلك المرحلة.

لذلك نجد المأمون يستقدم الامام الجواد عليه‌السلام من المدينة سنة(٢١١) هـ، ويقوم بتزويجه من ابنته أم الفضل، ويدخل في نزاع مع أعمامه بني العباس بسبب ذلك التزويج، في محاولة منه لاستيعاب موقف الامام عليه‌السلام ، وضمه الى حاشيته واحتواء حركته الجماهيرية في المجالين الفكري والسياسي. لكن الامام كان على العكس من ذلك، فقد كان يمارس نشاطه بدقة واتقان ويتحرك في كل مجال تتوفر له فرصة الحركة فيه، ثم يرفض البقاء في بغداد، ليكون بعيدا عن حصار السلطة ومراقبتها، ويعود الى المدينة، ليسقط الخطة، ويحقق الأهداف المرتبطة به كامام للأمة ورائد من رواد الشريعة. وبعد موت المأمون وتسلم المعتصم للسلطة، تم استقدام الامام الجواد من المدينة الى بغداد، ولم يبق في بغداد الا مدة قصيرة حتى توفي سنة(٢٢٠) هـ في الخامس من ذي الحجة، ودفن في مقابر قريش مع جده موسى بن جعفر عليه‌السلام .

ويروي بعض المؤرخين أن المعتصم اقترف جناية قتل الامام الجواد عليه‌السلام عن طريق دسه السّـمّ اليه.


الإمام علي الهادي عليه‌السلام

ولد الامام علي الهادي عليه‌السلام في موضع من أرضه المدينة يسمى (صربا) للنصف من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومائتين للهجرة. وقد نشأ وترعرع في ظل أبيه، وتحت رعايته، فأبوه الامام محمد الجواد عليه‌السلام ، «وارث علوم أهل البيت»، وكان الناس يرون فيه سيد أهل البيت.

فقد كان الامام عليه‌السلام قدوة في الأخلاق والزهد والعبادة، ومواجهة الظلم ورفض الظالمين، ومنارا

للعلم والعمل والالتزام. لذا فقد وصفه العلماء ورجال السياسة وأصحاب السير بما يستحق من صفات العلم والفضل والأدب.


الامام الهادي عليه‌السلام ومهام الصراع السياسي

حفلت حياة الامام الهادي عليه‌السلام بالمعاناة السياسية، وعايش في عصر امامته بقية حكم المعتصم، كما عايش حكم الواثق والمنتصر والمستعين والمعتز. وقد حفلت هذه الفترة بالحوادث والصراع السياسي المرير بين العلويين والحكام العباسيين، فأصاب الامام منها الأذى والاضطهاد، فهو على الرغم من أنه لم يخطط لعمل مسلح، لعلمه بحقيقة الأوضاع والظروف السياسية وعدم نضجها أو ملاءمتها للتحرك، الا أن الحكام العباسيين كانوا يخافونه وكانوا يرون فيه سيد أهل البيت وصاحب الكلمة النافذة. والذي يدرس حياة الامام الهادي عليه‌السلام منذ وفاة أبيه وتحمله مهام الامامة، وحتى وفاته، يجدها حياة مليئة بالتحديات والصبر والثبات العقائدي والسياسي.

وقد ابتدأ الامام حياته السياسية من أواخر عهد المعتصم وكان قد تولى منصب الامامة بعد أبيه الإمام محمد الجواد عليه‌السلام سنة (٢٢٥) هـ.

وبتولّي المتوكل الخلافة لقي الطالبيون الأذى والاضطهاد، فقد كان يعاملهم بقسوة وكراهية شديدة، وكان يضيق عليهم، ويمنع عنهم المساعدات المالية، ويحرم على الآخرين أن يعينوهم أو يخففوا عنهم.


من المدينة الى سامراء

ولم يكن الامام الهادي عليه‌السلام ليغفل عن هذه المحنة وذلك الظلم والعسف، لذا كان يركز موقعه، ويقوي علاقته بأبناء الأمة وينشر مبادئ الاسلام. ويربي جيلا من العلماء والرواة. وحين أصبح موقع الامام في المدينة المنورة خطرا يهدد كيان المتوكل، عمد المتوكل الى استدعائه وجلبه من المدينة الى سامراء ليكون تحت الرقابة والمتابعة اليومية وذلك سنة(٢٤٣)هـ. وفي سامراء وضعت رقابة مشددة وتعرضه للمضايقات ضد الامام وأتباعه فتارة يحاولون النيل من شخصيته، وأخرى سجنه واغتياله، وثالثة يفتش بيته، ويجلب ليلا الى المتوكل بتهمة الاعداد للثورة والمواجهة، وأخرى يسعون لايجاد زعيم بديل عنه. وكل تلك المحاولات باءت بالفشل.


وفاة الامام الهادي عليه‌السلام

توفي عليه‌السلام في رجب سنة(٢٥٤) هـ في سامراء ودفن في داره، وذلك أيام خلافة المعتز، وكان مقامه في سامراء الى أن توفي عشر سنين وأشهرا، وكان عمره، يوم توفي، احدى وأربعين سنة.

قال ابن شهرآشوب: (استشهد مسموما، وقال ابن بابويه: وسمّه المعتمد).


الامام الحسن العسكري عليه‌السلام

ولد الامام الحسن بن علي العسكري عليه‌السلام في المدينة المنورة في ربيع الثاني سنة اثنتين وثلاثين ومائتين للهجرة وتربى في ظل أبيه الامام علي الهادي عليه‌السلام وعاش معه ثلاثا وعشرين سنة وأشهرا، استوعب خلالها علوم آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكان كآبائه في العلم والعمل والجهاد والدعوة الى الاصلاح في أمة جده محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ولقد تولى مهام الامامة بعد وفاة أبيه، والتي استمرت نحو ست سنوات.


شخصية الامام العسكري عليه‌السلام

كان الامام العسكري كآبائه، علما لا يخفى، فكان أستاذ العلماء، وقدوة العابدين تهفو اليه النفوس بالحب والولاء، رغم الارهاب السلطوي، والمعاداة السياسية لأهل البيت عليه‌السلام وملاحقة السلطة له ولأصحابه. فرغم كل هذا فان خلفاء عصره لم يستطيعوا اخفاء شخصيته، أو تحجيم دوره السياسي والعلمي، ومكانته الاجتماعية، ففرضه نفسه على حكام عصره وخصومه.


الامام العسكري عليه‌السلام والعمل السياسي

ولمكانة الامام العظيمة، وموقفه السياسي، ووقوفه على قمة المعارضية السياسية في تلك الفترة، فرضيت عليه أجهزة السلطة الاقامة شبه الجبرية وأجبرته على الحضور يومي الاثنين والخميس من كل اسبوع في دار الخلافة.

وقد لجأ الامام عليه‌السلام الى العمل السري، وبناء جهاز من الأتباع والوكلاء وأحكم تنظيمه. وتفصح الوثائق التاريخية المتوفرة بين أيدينا عن ذلك الأسلوب الدقيق بوضوح كامل. وبالتأمل في تلك النصوص الوثائقية - ندرك أن للامام أتباعا في كل أنحاء العالم الاسلامي، وأن له وكلاء

وممثلين عنه، وثقات يثق بهم ويعتمدهم في عمله العلمي والسياسي. كما وتكشف لنا هذه الوثائق جانب التكتم والسرية الذي كان يتبعه الامام عليه‌السلام .

وتنقل الروايات وكتب التاريخ أنّ الامام العسكري عليه‌السلام زجّ في السجن وحبس مرّات عديدة وخططّ لقتله، كما زجّ بأصحابه في السجون من قبل حكّام عصره وأنصارهم.


مدرسة الامام العسكري عليه‌السلام العلمية

زخرت مدرسة أهل البيت في عصر الامام العسكري عليه‌السلام بالعلم والدعوة الى الاسلام، والدفاع عنه وكان قوام هذا العمل هو الأسلوب المدرسي، فقد كان للامام عليه‌السلام تلامذة وأصحاب رواة، وبعضهم واصل مهمته من عهد أبيه وجده عليه‌السلام وبعضهم التحق به في فترة امامته. وكان هؤلاء التلامذة والرواة يتلقون من الامام عليه‌السلام ، ويروون عنه العلوم والمعارف. فعملوا كرواة ووكلاء وممثلين له في مختلف البلدان، وقام بعضهم بالتأليف وتصنيف الكتب والمؤلفات. وقد ساهم هؤلاء العلماء في انماء العطاء العلمي في مجال الفقه والتفسير والرواية والعقيدة والأدب والجغرافية وغيرها من العلوم والمعارف، مما يدل على سعة هذه المدرسة، كما يدل على مكانة الامام عليه‌السلام العلمية وسمو مقامه.


وفاة الامام العسكري عليه‌السلام

عاصر الامام العسكري عليه‌السلام المعتز والمهتدي والمعتمد من خلفاء بني العباس والاخير كان خليعا ميالا الى اللهو واللذات، وقد لاقى الامام عليه‌السلام على يدي المعتمد صنوفا مرهقة من الخطوب والتنكيل، وكان مما يدفع العباسيين الى ذلك حسدهم من مكانة الامام في الامة وخوفهم من ولده الامام المنتظر والذي كان معلوما لديهم أنه من ولد الامام العسكري عليه‌السلام ، وتعظيم الامة للامام وتبجيله وتقديمه بالفضل على جميع العلويين والعباسيين، فأجمع رأيه على الفتك بالامام واغتياله، فدس له سما، توفي على أثره عليه‌السلام وعمره ثمان وعشرون عاما، وكانت وفاته عليه‌السلام سنة(٢٦٠هـ)، وقد أحدثت وفاته هذه هزة عنيفة في كيان شيعته وأتباعه فقد اضطرب الموقف، وامتلكت الحيرة الكثيرين منهم، حول من يخلفه في الامامة، وهذا ما سنأتي عليه في الحديث عن الامام المهدي عجل الله فرجه.


الامام المهدي عليه‌السلام مقدمة

امتد صراع الخير والشر على هذه الارضه، منذ فجر الحياة، وستبقى المعركة سجالا بين الخطين، خط الهدى، وخط الضلال، خط الأنبياء، وخط الجاهليين الطغاة.

ويمثّل أئمة الهدى وعلماء الاسلام وأبناؤه الامتداد الحركي والتواصل الفكري لخطّ الأنبياء. ولقد تحقق النصر للرسالة الاسلامية على يد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسارت المسيرة الطاهرة، وبنيت حضارة التوحيد، وقطعت البشرية أشواطا متقدمة على أساس العلم والايمان، فاستضاءت بهذا النور، واهتدت بذلك الهدى المشرق. الا ان حركة هذه المسيرة قد ضعفت شيئا فشيئا، وبدأت الشرور الجاهلية تعود مرة أخرى الى حياة الانسان. ولم يكن لطف الله ليغيب عن هذه الأرضه، حتى مع انقطاع النبوة، فما زال منهج الأنبياء المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله الأمين صلى‌الله‌عليه‌وآله ، حيا متدفقا بالحيوية والعطاء وما زالت أمة من المؤمنين قائمة بالحق تدعو الى الهدى والاصلاح، وهي تتحرك في ظل الأمل الكبير (وراثة الصالحين) و(انتصار المستضعفين)، فالوعد الالهي بتصفية بؤر الشر ومنابع الفساد وتحقيق التغيير الشامل، يتحقق على يد مصلح البشرية ومقيم سنن الأنبياء، وباني الحياة على أساس القرآن والسنة المطهرة وهو (مهدي هذه الأمة). فقد شاء الله بعد أن انقطعت النبوة وختمت بسيد المرسلين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أن يجعل مصلحا يتحمل مهمة الأنبياء في الدعوة الى مبادئ الهدى والعمل بما جاء به الهادي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك وعد حق نطق به القرآن، ووعدت به الكتب الالهية.


من هو المهدي؟

كان مولد المهدي عليه‌السلام ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، وقد ولد في كنف أبيه الامام العسكري عليه‌السلام ، فأحاطه بالرعاية والسرية التامة خوفا عليه. ويحدثنا الشيخ المفيد (محمد بن محمد النعمان العكبري البغدادي)، أن الخوف والارهاب والملاحقة لآل علي عليه‌السلام ، ومعرفة الخليفة العباسي بأن الامامة في ذرية الحسن العسكري عليه‌السلام ، واصراره على استئصال امتداد الامامة، هو الذي دعا الامام العسكري عليه‌السلام الى التكتم على ولده وعدم الاعلان عن ولادته.

وعندما توفي الامام الحسن العسكري عليه‌السلام سنة(٢٦٠)هـ - أحدثت وفاته هزة عنيفة في كيان شيعته وأتباعه من بعده، فقد اضطرب الموقف، وامتلكت الحيرة الكثيرين منهم، وبدأ التساؤل، أللامام الحسن العسكري عليه‌السلام ولد يخلفه في الامامة؟ أم الامامة انقطعت من بعده، وليس له ولد؟ فكانت الأجوبة شتى والفرق متعددة. واستقر الأمر على أن الامام المهدي هو: (محمد بن الحسن العسكري) الذي ولد بسر من رأى، قبيل وفاة أبيه بخمس سنين.

وشاء الله أن يؤجل ظهوره، ليملأ الأرضه قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا.


الغيبة والسفراء

كانت للامام المهدي عليه‌السلام غيبتان:

١ - غيبة صغرى: امتدت حتى سنة(٣٢٨) أو (٣٢٩) هـ وكانت خلال حكم المعتمد والمعتضد والمكتفي بالله والمقتدر بالله والقاهر بالله، وكان خلالها يتصل بأتباعه من خلال سفرائه الأربعة بعد وفاة أبيه، وهم:

١ - عثمان بن سعيد العمري الأسدي.

٢ - محمد بن عثمان بن سعيد العمري الأسدي.

٣ - الحسين بن روح النوبختي.

٤ - علي بن محمد السمري.

٢ - غيبة كبرى: بدأت بموت السفير الرابع، فانقطع اتصال الامام المهدي بأتباعه وقواعده ووكلائه، وحتى يجيء وقت الظهور والنهوض بالمهمة الكبرى.

كان الامام المهدي عليه‌السلام خلال الغيبة الصغرى يتصل بسفرائه ويوصل من خلالهم الأوامر والتوجيهات الى أتباعه الذين كانوا يعيشون مرحلة السرية والكتمان ويعانون الاضطهاد والارهاب الذي كان يواجههم به حكام بني العباس.

فلقد كانت تلك المرحلة من أشد مراحل الفوضى والاضطراب السياسي والقهر والملاحقة لأتباع أهل البيت عليه‌السلام .


علامات الظهور

ان ظهور المصلح المهدي، واحد من أعظم حوادث التاريخ البشري الكبرى، لذلك أخبر الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله أمته وأطلعها على ما أطلعه الله سبحانه من عالم الغيب، من ظهور مصلح عظيم. فلقد وجه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أمته وأمرها بالايمان به واتباعه عند

ظهوره، كمصلح يعمل بكتاب الله والسنة النبوية المطهرة، ويقود البشرية الى شاطئ الهدى والسلام، محطما أصنام الجاهلية وأفكارها المنحرفة وحضارتها المدمرة.

ولكي تقترب الفكرة الغيبية الى الأذهان وتتهيأ النفوس الى تقبلها، حدّد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفصّـل الأئمة من أهل البيت عليه‌السلام علامات الظهور ولفتوا الأنظار اليها.

ان الروايات النبوية لتشير الى ظهور نوعين من العلامات: علامات اجتماعية، وعلامات طبيعية كونية. وتتركز العلامات الاجتماعية في:

١ - انتشار الظلم والجور.

٢ - التسلط الجاهلي وظهور الحياة الجاهلية بعقائدها وحضارتها.

٣ - التقدم العلمي الهائل.

٤ - الحروب والفتن المدمرة وغياب الأمن والسلام.

٥ - ظهور الكذابين والدجالين، المدعين للاصلاح.

٦ - الغلاء والتدهور الاقتصادي.

٧ - ظهور الموطئين او المهيئين من حركات وقيادات ودعوات اصلاحية واستغاثة للتخلص من الجاهلية المدعومة بقوى المادة والعدوان.

وكما تتحدث تلك الروايات عن الامارات الاجتماعية الدالة على ظهور المهدي، فهناك روايات أخرى تتحدث عن العلامات والامارات الطبيعية مثل الخسوف والكسوف في غير وقته الطبيعي، والتغيير في عالم الفلك والطبيعة. ولابد من الاشارة هنا، الى أن الروايات التي تحدثت عن ظهور الامام المهدي عليه‌السلام أكدت ظهوره في مكة المكرمة، وأنه يعلن خلافته وقيام دولته، ويبايع له الناس ما بين الركن والمقام في المسجد الحرام.


اليأس والأمل

في كل فترة من فترات التاريخ، يوجد نبي منقذ، ورسول هاد، يتحمل مسؤولية الهداية والاصلاح، فظاهرة وجود النبوة، ظاهرة تعبر عن لطف الله وعنايته بخلقه. وواضح أن وجود المصلح المهدي، يمثل الامتداد المتواصل للطف الالهي، اللطف الذي دعي الانسان الى انتظاره، كما كان يدعى الى انتظار الأنبياء المصلحين، الا أن هذا الانتظار مقرون بمسؤولية الأمر بالمعروف

والنهي عن المنكر، والدعوة الى الاسلام، والجهاد في سبيل الله، لئلا تتعطل شريعة الهدى ويسود الظلم. الا أن البعض قد فهم قضية انتظار المهدي المصلح فهما خاطئا، يصل الى حد تعطيل الأحكام الشرعية، والتوقف عن تحمل مسؤولية الاصلاح، وايكال الأمر الى المهدي المصلح، خلافا لصريح الرسالة الاسلامية وروح الدعوة الالهية.

فالقرآن كله دعوة الى الإيمان والعمل والتطبيق وتكليف بالاصلاح وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يأذن بتعطيل الشريعة والأحكام. ان الانسان الذي غاب عن وعيه وتفكيره الوعد الالهي بوراثة الصالحين، وبظهور المهدي المصلح، يسيطر عليه اليأس، ويغيب عنه الأمل ويستسلم للأمر الواقع. ان الدعوة الحقة التي دعا اليها القرآن، وأوضحها الرسول الهادي صلى‌الله‌عليه‌وآله هي دعوة للعمل والجهاد والاصلاح، في الوقت الذي تنتظر فيه البشرية ظهور المصلح الموعود، ويمهد العاملون الاسلاميون لوراثة الصالحين، ولمرحلة الاستخلاف المنتظر في الأرضه.

(والحمد لله رب العالمين)


الفهرس

حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته ( عليهم‌السلام ) إصدار المؤسسة الإسلامية للبحوث والمعلومات١

الأوضاع قبل البعثة النبوية٣

ميلاد البشير محمد (صلى‌الله‌عليه‌وآله )٤

البعثة النبوية٥

الهجرة الى الحبشة٦

المقاطعة٧

الهجرة الكبرى ٨

دولة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله )٩

موقف قريش بعد الهجرة وسياسة الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وآله ) تجاهها١٠

معركة أحد ١١

معركة الخندق ١٢

صلح الحديبية١٣

معركة خيبر ١٤

فتح مكة١٥

غزوة تبوك ١٦

حجة الوداع ١٧

الامام علي بن أبي طالب عليه‌السلام ١٨

مهمّات ما بعد الهجرة١٩

معركة الجمل ٢١

حرب صفين ٢٢

حرب النهروان ٢٣


في ذمة الله ٢٤

فاطمة الزهراء عليها‌السلام ٢٥

الزواج الفريد ٢٦

فاطمة الزوجة٢٧

فاطمة الأمّ٢٨

فاطمة المجاهدة٢٩

فاطمة المحتسبة٣٠

الامام الحسن عليه‌السلام ٣١

دور الامام الحسن عليه‌السلام في الحياة الاسلامية٣٢

مبررات الوثيقة٣٤

فترة ما بعد الوثيقة ووفات الامام الحسن عليه‌السلام ٣٦

الامام الحسين عليه‌السلام ٣٧

دور الامام الحسين عليه‌السلام في تخليد الاسلام٣٨

مردودات الثورة٤٠

الامام علي بن الحسينعليه‌السلام ٤١

الامام محمد الباقر عليه‌السلام ٤٣

الامام جعفر الصادق عليه‌السلام ٤٥

مكانة الامام الصادق عليه‌السلام ومقامه الاجتماعي ٤٦

مكانة الامام الصادق عليه‌السلام العلمية٤٧

وفات الامام الصادقعليه‌السلام ٤٨

الامام موسى الكاظم عليه‌السلام ٤٩

مدرسة الامام الكاظم عليه‌السلام ومقامه العلمي ٥٠

الظرف السياسي الذي أحاط بعصر الامام الكاظم عليه‌السلام ٥١

الامام الرضا عليه‌السلام ٥١

الامام محمد الجوادعليه‌السلام ٥٣

مقام الجوادعليه‌السلام العلمي ٥٤


موقف السلطة من الامام الجواد عليه‌السلام ٥٥

الإمام علي الهادي عليه‌السلام ٥٦

الامام الهادي عليه‌السلام ومهام الصراع السياسي ٥٧

من المدينة الى سامراء٥٨

وفاة الامام الهادي عليه‌السلام ٥٩

الامام الحسن العسكريعليه‌السلام ٦٠

شخصية الامام العسكريعليه‌السلام ٦١

الامام العسكري عليه‌السلام والعمل السياسي ٦٢

مدرسة الامام العسكري عليه‌السلام العلمية٦٣

وفاة الامام العسكري عليه‌السلام ٦٤

الامام المهديعليه‌السلام مقدمة٦٥

من هو المهدي؟٦٦

الغيبة والسفراء٦٧

علامات الظهور٦٨

اليأس والأمل ٦٩

الفهرس ٧٠