مودة أهل البيت عليهمالسلام و فضائلهم
في الكتاب والسُنّة
اصدار مركز الرسالة
هذا الكتاب
نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف
شبكة الإمامين الحسنين عليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي
بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى
قريبة إنشاء الله تعالى.
مودة أهل البيت عليهمالسلام وفضائلهم في الكتاب والسُنّة
اصدار مركز الرسالة
سلسلة المعارف الاسلامية
مودة أهل البيت عليهمالسلام
وفضائلهم
في الكتاب والسُنّة
اصدار مركز الرسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين.. والصلاة والسلام على رسول الله سيد الخلائق وخاتم النبيين محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.
وبعد.. فإنّ حق الرسول العظيم على أتباعه لحق عظيم ، يتفاوت الاَفراد في معرفته ومستويات أدائه ، وليس من شك فإنّ حبه هو من أولى هذه الحقوق ، إذ هو المقدمة الضرورية لما يتبعه من اقتفاء أثره وتحرّي سُنّته وإحياء أمره وحسن اتباعه ، فما لم يتحقق الحب الصادق فلا نستطيع أن ننتظر الاتباع والاهتداء والاقتداء ومن هنا قال صلىاللهعليهوآلهوسلم :« لايؤمن أحدكم حتى أكون أحبُّ إليه من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين».
إنّ حبه صلىاللهعليهوآلهوسلم فرع لحب الله تعالى ، وكلاهما من بديهيات الايمان وأولوياته، كما ان حبه صلىاللهعليهوآلهوسلم يستلزم حب أولى الناس به وأقربهم منزلة لديه وأخصّهم بحمل أمانته وأداء رسالته ، وبهذا تتكامل سلسلة الحب متلازمة الحلقات ، وبدون ذلك فليس ثمة حب لله ولا لرسوله.. ومن هنا قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « احبوا الله لما يغذوكم به من نعمه ، واحبوني بحب الله ، وأحبوا أهل بيتي لحبي».
وأهل بيته وأولى الناس به هم الذين اختارهم حين أمره الله تعالى بمباهلة النصارى في قوله تعالى: ( قُلْ تعالُوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل... ).
وهم الذين خصّهم في تأويل آية التطهير حين نزلت ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) فأدار كساءه على نفسه الشريفة وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام ، وقال: « اللهمّ هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيراً.. » وهم الذين اختصهم في الاَمر بالصلاة حين نزل قوله تعالى: ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ) فراح
يطرق باب بيت علي وفاطمة فجر كل يوم ويقول: « الصلاة الصلاة.. ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا»).
وهم الذين أمرنا بالصلاة عليهم معه كلما ذكر النبي صلى الله عليهالسلام إذ قال :« قولوا اللّهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم».
وليس ينفك هذا الحب عن صدق الولاء وحسن الاهتداء والاقتداء بالهدي الذي كانوا عليه ( إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) فكما كان الحب مقدمة أولى للاتباع ، فإنّ الاتباع شرطاً لازم ومصداق أكيد للحب الصادق وإلاّ كان مجرد دعوى قاصرة عن بلوغ معناها وغايتها ومن هنا كان حب أهل بيت النبي صلى الله عليهالسلام مقدمة لحسن اتباعهم والسير على نهجهم واقتفاء أثرهم ، قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّي تارك فيكم ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ، كتاب الله.. وعترتي أهل بيتي » فلم يكن الحب الذي من علاماته الاحترام لهم والتأدب معهم وميل القلب إلى ذكرهم.. لم يكن لوحده غاية مالم تتحقق لوازمه ومصاديقه في اتباع نهجهم والاهتداء بهديهم والذبّ عنهم ، وبدون هذا سيبقى مفهوماً قاصراً لم يحقق معناه ولم يبلغ أهدافه ومقاصده.
من كل هذا أصبح هذا النوع من الحب ، حب الله وحب رسوله وحب أهل بيت رسوله ، مبدأً رسالياً كبيراً يتضمن أبعاداً مهمة وخطيرة في حياة الفرد والمجتمع ، فهو المفتاح في علاقة الفرد والاُمّة بتعاليم السماء ، على هذا دلّنا الله تعالى ورسوله ، وبه أمرنا ، لا لقرب لحمتهم من النبي صلى الله عليهالسلام وحسب ، على ما في هذا من شرف رفيع ، بل لاَنّهم عيبة علمه وحملةُ أمانته والمصطفين على الناس من بعده شرفاً وعلماً وحكمة وهدياً.
وفي هذا الكتاب نحاول الاقتراب أكثر فأكثر إلى معرفتهم ومعرفة حقهم الثابت علينا ، فكل ذلك من المعارف الضرورية التي لا غنى لمسلم عنها.
والله من وراء القصد ، وهو الهادي إلى سواء الصراط
مركز الرسالة
الحمدُ لله ربِّ العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على محمد المصطفى الاَمين وآله الهداة الميامين.
وبعد: إنّ حبّ أهل البيت عليهمالسلام عترة النبي المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم يعدّ ضرورة من ضرورات الدين الاِسلامي الثابتة بالقطع كتاباً وسُنّة ، قال تعالى: ( قُل لا أسألُكُم عَلَيهِ أجراً إلاّ المودَّةَ في القُربَى ) .
وتواتر عن النبي المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: « أحبوا الله لما يغذوكم من نعمته ، وأحبوني بحبّ الله ، وأحبوا أهل بيتي بحبي».
وتواتر عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنّ حبهم علامة الاِيمان ، وأن بغضهم علامة النفاق » و « أنّ من أحبهم أحب الله ورسوله ، ومن أبغضهم أبغض الله ورسوله » وعشرات الاَحاديث التي تحث على حبهم وتنهى عن بغضهم.
ومما لا ريب فيه أنّه تعالى لم يفرض حبهم ومودتهم إلى جانب وجوب التمسك بهم إلاّ لاَنهم أهل للحب والولاء من حيث قربهم إليه سبحانه ومنزلتهم عنده وطهارتهم من الشرك والمعاصي ومن كل ما يبعد عن دار كرامته وساحة رضاه.
لذا فإنّ حبّ أهل البيت عليهمالسلام عقيدة مستمدة من كتاب الله تعالى وسُنّة نبيه المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وليس هو مجرد هوىً عابر أو عاطفة مجرّدة ، إنّه مبدأ يتعلق بحبّ القادة الرساليين الذين جعلهم الله تعالى هداة للبشر
بعد نبيه الكريم صلىاللهعليهوآلهوسلم وحباهم أفضل صفات الكمال من شجاعة وعفّة وصدق وعلم وحكمة وخلق ، وجعلهم أبوابه والسبل إليه والاَدلاّء عليه وعيبة علمه وخزّان معرفته وتراجمة وحيه وأركان توحيده.
إنّه مبدأ يتعلق بحبّ أحد الثقلين اللذين أوجب الرسول المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم على أُمّته التمسك بهما حتى يردا عليه الحوض ، وجعلهم أماناً لاَهل الاَرض كما أن النجوم أمان لاَهل السماء ، وكسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق وهوى.
وفي هذا البحث حاولنا إلقاء الضوء على بعض الجوانب المهمة التي تخصّ مودة أهل البيت عليهمالسلام باعتبارها فرضاً علينا وواجباً في أعناقنا ، وذلك من خلال خمسة فصول :
الفصل الاَول: من هم أهل البيت ؟
الفصل الثاني: حبهم عليهمالسلام في الكتاب والسُنّة والاَدب.
الفصل الثالث: بعض فضائلهم عليهمالسلام في الكتاب والسُنّة.
الفصل الرابع: معطيات حبهم عليهمالسلام .
الفصل الخامس: أهل البيت عليهمالسلام بين الغلو والبغض.
نرجو من الله تعالى أن ينفع به الاخوة المؤمنين وأن يجعله خيراً لنا في الدنيا وذخراً في الآخرة.
والله ولي التوفيق
الفصل الاَول
من هم أهل البيت ؟
المبحث الاَول
أهل البيت في اللغة والاصطلاح
يحددّ المفهوم اللغوي لكلمة أهل بما يضاف إليها ، فأهل القرى: سكانها ، وأهل الشيء: صاحبه ، وأهل الكتاب: أتباعه أو قرّاؤه ، وكذلك أهل التوراة وأهل الانجيل ، وقد ورد بعض هذه الاَلفاظ في القرآن الكريم(١) .
وأهل الرجل: عشيرته وذوو قرباه(٢) ، وأخصّ الناس به(٣) ، ومن
____________________
١) راجع الاَنباء بما في كلمات القرآن من أضواء / محمد جعفر الكرباسي: ٢٤١ - ٢٤٢ ، منشورات الوفاق - النجف الاَشرف.
٢) القاموس المحيط / مجدالدين الفيروزآبادي ١: ٣٣١ - مادة أهل - ، مؤسسة الرسالة - بيروت.
٣) لسان العرب / ابن منظور ١١: ٢٨ - ٢٩ - مادة أهل - ، أدب الحوزة - قم.
يجمعه وإياهم نسب أو دين(١) .
قال تعالى ( وأمُر أهلَكَ بِالصَّلاةِ ) (٢) أي ذوي قرباك ومن يرتبط بك في النسب.
وقال تعالى ( يا نُوحُ إنَّهُ ليسَ مِن أهلِكَ ) (٣) مشيراً إلى ابنه ، وهو من أهله من حيث النسب ، لكنه تعالى أراد أنه ليس من أهل دينك وملتك والسائرين على منهجك.
وأهل بيت الرجل: ذوو قرباه ومن يجمعه وإياهم نسب(٤) ، وأطلقت في الكتاب الكريم على أولاد إبراهيم عليهالسلام وأولاد أولاده ، قال تعالى: ( رحمةُ اللهِ وبرَكاتُهُ عَليكُم أهلَ البيتِ إنَّهُ حَميدٌ مجيدٌ ) (٥) .
وصار «أهل البيت» متعارفاً بين المسلمين في آل النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم (٦) ، تبعاً للنصوص ، وهم كما في حديث الكساء وغيره: محمد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم والاِمام علي والزهراء والحسن والحسين عليهمالسلام ، والذين نزلت فيهم آية التطهير ( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) (٧) .
____________________
١) مفردات الراغب: ٢٩ - أهل - ، المكتبة المرتضوية.
٢) سورة طه: ٢٠ / ١٣٢.
٣) سورة هود: ١١ / ٤٦.
٤) مفردات الراغب: ٢٩ - أهل -.
٥) سورة هود: ١١ / ٧٣.
٦) مفردات الراغب: ٦٤ - بيت -.
٧) سورة الاحزاب: ٣٣ / ٣٣ ، راجع: صحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة ٤: ١٨٨٣ / ٢٤٢٤.
=
ويطلق عليهم آل النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أو عترته أيضاً ، والآل مقلوب عن الاَهل(١) ، فيقال: آل الله وآل رسوله ، أي أولياؤه ، أصلها أهل ، ثم اُبدلت الهاء همزة ، فصارت في التقدير أأل ، فلمّا توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفاً(٢) .
والعترة هم أهل البيت عليهمالسلام ، صرّح به ابن منظور ، مستدلاً بقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي »قال: فجعل العترة أهل البيت عليهمالسلام (٣) .
وثمة فرق بين أهل الرجل وأهل بيت الرجل ، فقد عُبّر في اللغة مجازاً بأهل الرجل عن امرأته ، قال الزبيدي في تاج العروس: (ومن المجاز: الاَهل للرجل زوجته)(٤) .
أما أهل بيت الرجل: فهم من يجمعه وإياهم نسب ، وتُعورِف في اُسرة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم (٥) .
____________________
=
وسنن الترمذي - كتاب التفسير ٥: ٣٥١ / ٣٢٠٥ ومصابيح السُنّة / البغوي ٤: ١٨٣ / ٤٧٩٦. وجامع الاصول ٩: ١٥٥/ ٦٧٠٢ و٦٧٠٣ و٦٧٠٥ ومسند أحمد ٤: ١٠٧ ومستدرك الحاكم ٢: ٤١٦ و٣: ١٤٧ - ١٤٨.
١) مفردات الراغب: ٣٠ - آل -.
٢) لسان العرب ١١: ٢٨ - ٢٩ - أهل -.
٣) لسان العرب ٩: ٣٤ - عتر -.
٤) تاج العروس من جواهر القاموس / محمد مرتضى الزبيدي ٧: ٢١٧ - أهل - ، المطبعة الخيرية - مصر ط١.
٥) مفردات الراغب: ٢٩ - أهل -.
ول- «أهل البيت» في لسان الكتاب والسُنّة معنى خاص ، فالمراد من أهل البيت هم: رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، والاِمام علي ، وفاطمة الزهراء ، وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين عليهمالسلام ، ويلحق بهم الذرية الطاهرة ، وهم الاَئمة التسعة المعصومون من ولد الاِمام الحسين عليهمالسلام ، وهؤلاء هم أقرب الناس إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وأخصّهم به من حيث العلم ، وأعرفهم بدينه ، وأعلمهم بسنته ونهجه.
وهناك جملة وافرة من الروايات الصحيحة عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من الطرفين المصرّحة بأسمائهم(١) ، زيادة على تواتر نصوص سابقهم على إمامة لاحقهم عند الامامية ، وهذا ما ينطبق تمام الانطباق على ما جاء في الصحيحين ، عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من أن الاَئمة اثنا عشر وكلهم من قريش(٢) . وقد اختصّ عنوان أهل البيت بهم دون غيرهم ، مهما كان قربه من النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، سواء بذلك نساؤه أو أتباعه أو ذوو قرباه ، وهذا ما نطق به القرآن الكريم ، وما ذكرته السُنّة النبوية المطهّرة ، وما نقله الصحابة والتابعون ورواة الحديث.
جاء عن أم سلمة أنه عندما نزلت ( إنَّما يُريدُ اللهُ ليُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تطهيراً ) قالت: فأرسل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى علي
____________________
١) اُنظر ينابيع المودة / القندوزي الحنفي ٣: ٢٨١ / ١ ، دار الاُسوة ط١.
٢) صحيح البخاري ٩: ١٤٧/ ٧٩ باب الاستخلاف ، عالم الكتب - بيروت ط٥ وصحيح مسلم ٤: ١٨٨٣.
وفاطمة والحسن والحسين ، فقال: « هؤلاء أهل بيتي»(١) .
وعن عائشة قالت: كان أحبّ الرجال إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم - تعني الاِمام عليّاً عليهالسلام - لقد رأيته وقد أدخله تحت ثوبه ، وفاطمة وحسناً وحسيناً، ثم قال: « اللهم هؤلاء أهل بيتي»(٢) .
وعن الاِمام علي عليهالسلام أنّه عندما نزلت آية التطهير قال: « فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : يا علي هذه الاية نزلت فيك وفي سبطيَّ والاَئمة من ولدك»(٣) .
هذا بالاضافة إلى أن المراد من البيت في لفظة (أهل البيت) ليس المسكن ، وإنما المراد هو بيت الرسالة أي البيت النبوي ، وأهل البيت عليهمالسلام هم الذين تربّوا ودرجوا في أحضان الرسالة ، ونشأوا في بيت الطهارة والعلم ، وعرفوا كل صغيرة وكبيرة ، وأحاطوا بكل شاردة وواردة ، لذلك تجد أنهم قد أجابوا على كل مسألة ومعضلة وجّهت إليهم وفي كل مجالات الدين وعلومه ، ولا تجد ذلك عند غيرهم مهما بلغ في العلم والمعرفة.
روي أن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، عندما قرأ قوله تعالى: ( في بُيُوتٍ أذِنَ اللهُ أن
____________________
١) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٨ / ٤٧٠٥ والسنن الكبرى / البيهقي ٧: ٦٣.
٢) ترجمة الاِمام عليعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق ٢: ١٦٣ - ١٦٤ / ٦٤٢ وشواهد التنزيل لقواعد التفضيل / الحاكم الحسكاني ٢: ٦١ / ٦٨٢ - ٦٨٤ ، مجمع احياء الثقافة الاِسلامية ط١. وعمدة عيون صحاح الاَخبار في مناقب إمام الاَبرار / ابن البطريق: ٤٠ / ٢٣ ، مؤسسة النشر الاِسلامي - قم.
٣) كفاية الاَثر في النصّ على الاَئمة الاثني عشر / أبو القاسم الخزاز الرازي: ١٥٦ ، مؤسسة النشر الاِسلامي - قم.
تُرفَعَ وَيُذكَرَ فيها اسمُهُ ) (١) سُئل: أي بيوت هذه ؟ فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «بيوت الاَنبياء » ، قال أبو بكر: يا رسول الله ، هذا البيت منها ؟ - يعني بيت علي وفاطمة - قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « نعم ، من أفاضلها»(٢) .
وعن أمير المؤمنين عليهالسلام قال: « نحن بيت النبوّة ، ومعدن الحكمة ، أمان لاَهل الاَرض ، ونجاة لمن طلب»(٣) .
وقال الاِمام الحسين عليهالسلام : « إنّا أهل بيت النبوّة»(٤) .
المبحث الثاني
أهل البيت في آية التطهير
المراد بآية التطهير قوله تعالى: ( ... إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) (٥) .
ولقد أكّدت مصادر الحديث والتفسير على أن المراد من أهل البيت الذين نزلت فيهم هذه الآية هم: محمد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعلي بن أبي طالب ، وفاطمة الزهراء ، والسبطان الحسن والحسين (صلوات الله عليهم أجمعين).
____________________
١) سورة النور: ٢٤ / ٣٦.
٢) الدر المنثور ٥: ٥٠ وروح المعاني / الالوسي ١٨: ١٧٤ وشواهد التنزيل ١: ٥٦٧ - ٥٦٨.
٣) نثر الدرر ١: ٣١٠.
٤) مقتل الاِمام الحسين / الخوارزمي ١: ١٨٤ ، مكتبة المفيد - قم واللهوف في قتلى الطفوف / ابن طاووس: ١٠ ، مكتبة الداوري - قم.
٥) سورة الاحزاب: ٣٣ / ٣٣.
فقد أخرج مسلم في الصحيح بالاِسناد إلى عائشة ، قالت: خرج النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم غداةً وعليه مِرط مرجّل من شعر أسود ، فجاء الحسن بن علي فأدخله ، ثم جاء الحسين فدخل معه ، ثم جاءت فاطمة فأدخلها ، ثم جاء علي فأدخله ، ثم قال: ( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) (١) .
وذكر الفخر الرازي هذه الرواية في تفسيره وعقّب عليها بقوله: واعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحّتها بين أهل التفسير والحديث(٢) .
وأخرج الترمذي في سننه حديث أم سلمة: أن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم جلّل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساءً وقال: « اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي ، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
قالت أمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله ؟ فقال: إنك على خير»(٣) .
وأخرج الحاكم في المستدرك عن أمّ سلمة ، قالت: في بيتي نزلت ( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) ، قالت: فأرسل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين ، فقال: «هؤلاء أهل بيتي».
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه(٤) .
____________________
١) صحيح مسلم - كتاب فضائل الصحابة - ٤: ١٨٨٣ / ٢٤٢٤.
٢) التفسير الكبير ٨: ٨٥ عند الآية ٦١ من سورة آل عمران.
٣) سنن الترمذي ٥: ٣٥١ / ٣٢٠٥ كتاب التفسير ، و٥: ٦٦٣ / ٣٧٨٧ ، و٦٦٩ / ٣٨٧١ كتاب المناقب.
٤) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٤٦.
وعن واثلة بن الاَسقع ، قال: أتيت علياً فلم أجده ، فقالت لي فاطمة: «انطلق إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يدعوه » فجاء مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فدخلا ودخلت معهما ، فدعا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الحسن والحسين ، فأقعد كل واحد منهما على فخذيه ، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها ، ثم لفّ عليهم ثوباً وقال: ( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) ، ثم قال: « هؤلاء أهل بيتي ، اللهم أهل بيتي أحق».
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه(١) .
لقد روى حديث الكساء المبين لآية التطهير في كتب العامة جمع كبير من كبار الصحابة والتابعين ، مؤكدين نزول الآية في الخمسة أهل الكساء عليهمالسلام .
كأنس بن مالك والبراء بن عازب وثوبان مولى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والاِمام الحسن المجتبى عليهالسلام وأبي الحمراء مولى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وحكيم بن سعد وحماد بن سلمة ودحية بن خليفة الكلبي وأبو الدرداء وزيد بن أرقم وزينب بنت أبي سلمة وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وأم سلمة وشداد بن عمار وشهر بن حوشب وعائشة وعبدالله بن جعفر وعبدالله بن عباس وعبدالله بن معين مولى أم سلمة وعطاء بن أبي رباح وعطاء بن يسار وعطية العوفي والاِمام علي بن أبي طالب عليهالسلام والاِمام علي
____________________
١) المستدرك ٣: ١٤٦ - ١٤٧.
ابن الحسين زين العابدين عليهالسلام وعمر بن أبي سلمة وعمرة بنت أفعى وقتادة ومجاهد بن جبر المكي ومحمد بن سوقة وأبي المعدّل الطفاوي ومعقل ابن يسار وواثلة بن الاَسقع(١) وغيرهم.
ورواه مفسرو الشيعة ومحدّثوهم عن الاِمام أمير المؤمنين علي عليهالسلام وولده الاِمام الحسن السبط والاِمام علي بن الحسين زين العابدين والاِمام محمد بن علي الباقر والاِمام جعفر بن محمد الصادق والاِمام علي بن موسى الرضا عليهمالسلام .
ورووه أيضاً عن أبي الاَسود الدؤلي وأنس بن مالك وجابر بن عبدالله الاَنصاري وأبي الحمراء مولى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي ذر الغفاري وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وأم سلمة وشهر بن حوشب وعائشة وعبدالله ابن عباس وعطاء بن يسار وعطية العوفي وعلي بن زيد وعمر بن ميمون الاَودي وواثلة بن الاَسقع وغيرهم(٢) .
____________________
١) راجع مسند أحمد ٢: ١٨ و٣: ٢٨٥ ، ٣٥٩ و٦: ٢٩٢ ، ٢٩٦ ، ٢٩٨ ، ٣٠٤ ، ٣٢٣ وتفسير الطبري ٢٢: ٥ - ٧ وقد رواه بأربعة عشر طريقاً وتفسير القرطبي ١٤: ١٨٢ وتفسير ابن كثير ٣: ٤٩٢ - ٤٩٥ وقد رواه بتسعة عشر طريقاً والبحر المحيط ٧: ٢٢٨ والدر المنثور ٥: ١٩٨ - ١٩٩ وفتح القدير ٤: ٣٤٩ - ٣٥٠ وقال فيه: إنّ هذا القول قول الجمهور.
٢) راجع تفسير فرات الكوفي: ١٢١ ، المطبعة الحيدرية - النجف الاَشرف وتفسير الحبري: ٢٩٧ - ٣١١، مؤسسة آل البيتعليهمالسلام ط١ وتفسير التبيان ٨: ٣٣٩ وتفسير مجمع البيان / الطبرسي ٨: ٤٦٢ - ٤٦٣ ، دار المعرفة - بيروت وتفسير الميزان ١٦: ٣١١ وأصول الكافي / الكليني ١: ٢٨٦ - ٢٨٧ / ١ ، دار الاضواء - بيروت ط٣ وكمال الدين وتمام النعمة / الصدوق ١: ٢٧٨ / ٢٥ ، مؤسسة النشر الاِسلامي ط٣ وسعد السعود / ابن طاووس: ١٠٦ - ١٠٧ ، منشورات الرضي - قم والعمدة / ابن البطريق: ٣١ - ٤٦ ونهج الحق وكشف الصدق / العلاّمة الحلي ١ :
=
ومما تجدر الاشارة إليه هنا هو أن طرق العامة إلى حديث الكساء قد بلغت أربعين طريقاً ، وطرق الشيعة الامامية قد بلغت ثلاثين طريقاً(١) .
أما المصادر التي دوّنت حديث الكساء ونصّت على نزول آية التطهير في الخمسة الذين شملهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بردائه فهي كثيرة جداً ، نقتصر على ذكر بعض مصادر العامة :
١ - مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٣١ و٣: ٢٥٩، ٢٨٥ و٤: ١٠٧ و٦: ٢٩٢ ، ٢٩٦ ، ٢٩٨ ، ٣٠٤ ، دار الفكر - بيروت.
٢ - فضائل الصحابة / أحمد بن حنبل ٢: ٦٦ - ٦٧ / ١٠٢ وغيره ، مؤسسة الرسالة - بيروت ط١.
٣ - التاريخ الكبير / البخاري ١: القسم الثاني: ٦٩ - ٧٠ و ١١٠ ، دار الكتب العلمية - بيروت.
٤ - صحيح مسلم ٤: ١٨٨٣ / ٢٤٢٤ ، دار الفكر - بيروت ط٢.
٥ - الجامع الصحيح للترمذي ٥: ٣٥١ ، ٣٥٢ ، ٦٦٣ ، ٦٩٩ ، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٦ - خصائص أمير المؤمنين عليهالسلام / النسائي: ٣٧ ، ٤٩ وغيرها ، مكتبة
____________________
=
٨٨ ، مؤسسة النشر الاسلامي ط٣ والصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم / زين الدين العاملي النباطي ١: ١٨٤ - ١٨٨ ، المكتبة المرتضوية ط١ وغاية المرام في علم الكلام / الامدي: ٢٥٩ - القاهرة.
١) راجع تفسير الميزان / العلاّمة الطباطبائي ١٦: ٣١١ ، مؤسسة الاَعلمي - بيروت ط٢.
المعلا - الكويت ط١.
٧ - المعجم الكبير / الطبراني ٣: ٤٦ / ٢٦٦٢ و٣: ٤٧ / ٢٦٦٦ و٣: ٤٩ / ٢٦٩٨ ، وغيرها كثير ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ط٢.
٨ - المعجم الصغير / الطبراني ١: ١٣٥ ، دار الكتب العلمية - بيروت.
٩ - أنساب الاَشراف / البلاذري ٢: ١٠٤ ، مؤسسة الاَعلمي - بيروت ط١.
١٠ - مصابيح السُنّة / البغوي ٤: ١٨٣ / ٣٧٩٦ ، دار المعرفة - بيروت ط١.
١١ - معالم التنزيل / البغوي ٤: ٤٦٤ ، دار الفكر - بيروت.
١٢ - الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٩: ٦١ / ٦٩٣٧ ، دار الكتب العلمية - بيروت ، ط١.
١٣ - مشكل الآثار / الطحاوي ١: ٣٣٢ ، دار صادر - بيروت ط١.
١٤ - العقد الفريد / ابن عبد ربه الاندلسي ٤: ٣١١ ، دار الكتاب العربي - بيروت.
١٥ - المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٢: ٤١٦ و٣: ١٣٣، ١٤٦ ، ١٤٧ ، ١٥٨ ، ١٧٢ ، دار الفكر ، بيروت.
١٦ - أسباب النزول/ الواحدي: ٢٠٣، دار الكتب العربية - بيروت ط١.
١٧ - الاستيعاب في معرفة الصحابة / ابن عبدالبر ٣: ١١٠٠ ، دار الجيل ، بيروت ط١.
١٨ - تاريخ بغداد / الخطيب البغدادي ١٠: ٢٧٨ / ٥٣٩٦ ، دار الكتاب العربي - بيروت.
١٩ - تفسير الخازن ٥: ٢٥٩ ، دار المعرفة - بيروت.
٢٠ - أُسد الغابة في معرفة الصحابة / ابن الاَثير ٢: ١٠ ، ١٣ ، ١٩ ، ٢١ و٤: ٤٦ - ٤٧ و٤: ١١٠ و٥: ٤٠٧ و٦: ٧٨ - ٧٩ ، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٢١ - جامع الاصول / ابن الاَثير الجزري ٩: ١٥٥ / ٦٧٠٢ و٦٧٠٣ و٦٧٠٥ ، دار الفكر - بيروت ط٢.
٢٢ - أحكام القرآن / الجصاص ٣: ٥٢٩ ، المكتبة التجارية - مكة المكرمة.
٢٣ - أحكام القرآن / ابن عربي ٣: ١٥٣٨ ، دار المعرفة - بيروت.
٢٤ - تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي: ٢٣٣ ، مؤسسة أهل البيت عليهمالسلام - بيروت.
٢٥ - الكشّاف / الزمخشري ١: ٣٦٩ ، دار الكتاب العربي - بيروت ط٣.
٢٦ - مفاتيح الغيب / الرازي ٨: ٧١.
٢٧ - ترجمة الاِمام علي عليهالسلام من تاريخ دمشق / ابن عساكر ، تحقيق محمد باقر المحمودي ١: ٢٧٣ - ٢٧٤ / ٣٢٢ ، دار التعارف - بيروت ط١ وترجمة الاِمام الحسين عليهالسلام : ٦١ - ٧٧، مؤسسة المحمودي - بيروت ط١.
٢٨ - منهاج السُنّة / ابن تيمية ٣: ٤ و٤: ٢٠ ، المكتبة العلمية - بيروت.
٢٩ - تاريخ الاِسلام / الذهبي ٣: ٤٤ و ٥: ٩٥ - ٩٦ ، دار الكتاب العربي - بيروت ط١.
٣٠ - سير أعلام النبلاء / الذهبي ٢: ١٢٢ وصححه ، مؤسسة الرسالة - بيروت ، ط١.
٣١ - البداية والنهاية / ابن كثير ٧: ٣٣٨ ، دار الفكر - بيروت ط٣.
٣٢ - الاصابة في تمييز الصحابة / ابن حجر ٤: ٢٧٠ ، دار الكتب العلمية - بيروت.
٣٣ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد / الهيثمي ٧: ٩١ و٩: ١١٩ ، ١٢١ ، ١٤٦ ، ١٦٧ - ١٦٩ ، ١٧٢ ، دار الكتاب العربي - بيروت ط٣.
٣٤ - تهذيب التهذيب / ابن حجر العسقلاني ٢: ٢٩٧ ، حيدرآباد - الهند ط١.
٣٥ - الاتقان / السيوطي ٤: ٢٧٧ ، منشورات الرضي - قم ط٢.
٣٦ - الدر المنثور / السيوطي ٥: ١٩٨ ، ١٩٩ ، مكتبة آية الله المرعشي النجفي - قم.
٣٧ - الصواعق المحرقة / ابن حجر الهيتمي: ١٣٩ ، ١٤٣، ١٤٤، ٢٢٩، مكتبة القاهرة - مصر ط٢.
٣٨ - كنز العمال / المتقي الهندي ١٣: ١٦٣ / ٣٦٤٩٦ وغيره ، مؤسسة الرسالة - بيروت ط٥.
٣٩ - فتح القدير/ الشوكاني ٤: ٣٤٩ - ٣٥٠ ، دار المعرفة - بيروت ط٢.
٤٠ - جميع كتب مناقب أهل البيت عليهمالسلام في آية التطهير.
وهناك مصادر أخرى كثيرة يطول المقام بذكرها جميعاً ، وهي بمجموعها تؤكد أن أهل البيت هم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والاِمام علي وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام ، وهو ما أطبق على روايته الشيعة الامامية وأجمع عليه كافة علمائهم(١) ، ورواه العامة في صحاحهم وسننهم ومسانيدهم وأجمع عليه مفسروهم وأيدته الغالبية العظمى من علمائهم كما تقدم من ذكر رواة الحديث ومصادره.
لم يقتصر رواة حديث الكساء على روايته وحسب ، بل صرّح كثير منهم بصحته وعدم ترقي الشك إليه ، كأحمد بن حنبل في مسنده ، والحاكم النيسابوري في المستدرك ، والذهبي في تلخيص المستدرك ، والبيهقي في السنن وغيرهم.
وصرّح بعض العلماء بقوله: أجمع المفسرون ، وروى الجمهور(٢) .
وممن صرّح بصحة الحديث ابن تيمية المعروف بعدائه السافر لاَهل البيت عليهمالسلام ومحاولاته في طمس فضائلهم ومناقبهم ، قال في حديث الكساء: (وأما حديث الكساء فهو صحيح ، رواه أحمد والترمذي من حديث أم سلمة ، ورواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة)(٣) .
____________________
١) وقد أفرد الكثير من علماء الاِمامية آية التطهير بتأليف خاص.
٢) راجع نهج الحق: ١٧٣.
٣) منهاج السُنّة ٣: ٤ و٤: ٢٠.
وقال بعد أن ذكر طائفة من الروايات التي تؤكد على أن الآية خاصة في أهل البيت عليهمالسلام : (ولما بيّن سبحانه أنه يريد أن يذهب الرجس عن أهل بيته ويطهرهم تطهيراً ، دعا النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لاَقرب أهل بيته وأعظمهم اختصاصاً به ، وهم: علي وفاطمة رضياللهعنه ما وسيدا شباب أهل الجنة ، جمع الله لهم بين أن قضى لهم بالتطهير وبين أن قضى لهم بكمال دعاء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم )(١) .
وقال الذهبي في حديث الكساء: (وصحَّ أن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم جلَّل فاطمة وزوجها وأبنيهما بكساء ، وقال: « اللهمَّ هؤلاء أهل بيتي ، اللهمَّ فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً» )(٢) .
ممّا تقدم من النصوص الصحيحة والتي فاقت حدّ التواتر يتضح بشكل جلي لا لبس فيه أن المراد بأهل البيت المذكورين في آية التطهير هم الخمسة أهل الكساء لا غيرهم.
ورغم الوضوح في تحديد مفهوم أهل البيت الذين نزلت فيهم آية التطهير المباركة وحَصَرهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم تحت الكساء ليؤكد على اختصاصهم بالآية ويقطع الطريق لمن تسوّل له نفسه الادّعاء بشمولها لغيرهم ، فقد حاول البعض التشكيك والتعويم لهذا المفهوم متجاوزاً الصحيح من سنة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم المنقول عن أئمة الهدى وجمع غفير من
____________________
١) رسالة فضل أهل البيت وحقوقهم / ابن تيمية تعليق أبي تراب الظاهري: ٢٢ ، دار القبلة للثقافة الاِسلامية - السعودية ط١.
٢) سير أعلام النبلاء / الذهبي ٢: ١٢٢.
الصحابة والتابعين.
في هذا السياق تجد آراء وأقوال اُخرى في تحديد المراد بأهل البيت في آية التطهير ، وجميعها مناقضة لسبب نزول الآية المصرّح به في أغلب التفاسير وكتب الحديث ، ومعارضة للسُنّة الصحيحة المتمثلة في قول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وفعله وتقريره على ما سيأتي بيانه.
وأهم هذه الوجوه :
أولاً: أن المراد من أهل البيت: النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وحده(١) .
وهذا قول شاذ وغريب ومخالف لما صح وتواتر عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في تعيين أهل البيت في كتب الفريقين.
ثانياً: أن المراد من أهل البيت: من حرمت عليهم الصدقة من أقارب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كآل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس ، ومستند هذا القول رواية منسوبة إلى زيد بن أرقم(٢) .
وهذا القول مردود من عدّة وجوه منها :
١ - إنّ تفسير زيد للمراد من أهل البيت في آية التطهير اجتهاد منه في مقابل النصوص الصريحة والمتواترة عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في تعيين أهل البيت.
٢ - إنّ هذا الحديث معارض بحديث آخر لزيد بن أرقم نفسه ، يثبّت فيه أن نساء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم غير داخلات في أهل البيت ، فقد سُئل زيد: من
____________________
١) الصواعق المحرقة: ١٤٣.
٢) صحيح مسلم ٤: ١٨٧٣ / ٣٦ وتفسير ابن كثير ٣: ٤٨٦ والجامع لاَحكام القرآن ١٤: ١٨٣ وفتح القدير ٤: ٣٥٠ والدر المنثور ٥: ١٩٨ - ١٩٩.
أهل بيته ، نساؤه ؟ فقال: لا وايم الله ، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته أصله(١) .
٣ - إن هذا الحديث يوحي باخراج النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم عن أهل البيت ، وهو خلاف المشهور والوارد عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم وما جاء في سبب نزول الآية.
٤ - إنَّ حرمة الصدقة لا تنحصر بالمذكورين في حديث زيد ، فإن بني عبد المطلب بل وجميع بني هاشم يشاركونهم في التحريم أيضاً ، وهذا يعني دخولهم جميعاً في مفهوم أهل البيت ، الاَمر الذي يناقض الاَحاديث الصحيحة الواردة في تحديدهم من قبل مشرع الاسلام النبي الاَكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثالثاً: إنّ المراد من أهل البيت خصوص نساء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ لاَنّ سياق الآية في بيان حالهنّ ، وهذا الرأي منسوب إلى رواية عكرمة البربري ، وإلى عروة بن الزبير ، ومقاتل بن سليمان(٢) .
وهناك رأي آخر متفرع من هذا القول يذهب إلى أن أهل البيت هم علي وفاطمة والسبطان مع زوجات النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم (٣) .
____________________
١) صحيح مسلم ٤: ١٨٧٤ / ٣٧ وفتح القدير ٤: ٣٥٠ وكنز العمال ١٣: ٦٤١ والصواعق المحرقة: ٢٢٦ والسنن الكبرى/ البيهقي ٢: ١٤٨ ومسند أحمد بن حنبل ٢: ١١٤ و٤: ٣٦٧ والمستدرك ٣: ١٠٩.
٢) جامع البيان ٢٢: ٧ وتفسير ابن كثير ٢: ٤٨٣ والدر المنثور ٥: ١٩٨ وفتح القدير ٤: ٣٤٨ - ٣٤٩ وسير أعلام النبلاء ٨: ٢٠٨ وأسباب النزول: ٢٠٤ والصواعق المحرقة: ١٤٣. ونور الاَبصار: ١١٠.
٣) السنن الكبرى ٢: ١٥٠ وفتح القدير ٤: ٣٥٠ والجامع لاَحكام القرآن ١٤: ١٨٣.
والرأي الثالث قد لاقى رواجاً كبيراً لدى بعض الكتّاب والباحثين الذين احتجوا بورود آية التطهير في سياق الخطاب لنساء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم .
وفيما يلي أهم النقاط التي تؤكد بطلان هذا القول :
١ - إن هذا القول منسوب إلى عكرمة ومقاتل وعروة بن الزبير ، وهؤلاء مشهورون بالكذب والخلاف لاَهل البيت عليهمالسلام .
أما عكرمة فهو من الخوارج الصفرية وقيل: الاَباضية ، ولا ينتظر من خارجي يكفّر الاِمام علياً عليهالسلام أن يجعله من أهل البيت الذين نزلت فيهم آية التطهير ، فضلاً عن أن عكرمة مشهور بالكذب وخصوصاً على ابن عباس ، فعن عبدالله بن الحارث ، قال: دخلت على علي بن عبدالله بن عباس ، وعكرمة موثّق على باب الكنيف فقلت أتفعلون هذا بمولاكم ؟! فقال: إن هذا الخبيث يكذب على أبي.
وعن ابن عمر أنه قال لمولاه نافع: اتق الله ، لا تكذب عليّ كما كذّب عكرمة على ابن عباس.
وقال فيه ابن سيرين ويحيى بن معين ومالك: كذَّاب.
وقال محمد بن سعد: ليس يُحتج بحديثه.
لذلك حرَّم مالك الرواية عنه ، وشهد معظم أهل العلم بكذبه.
أما من حيث عقيدته الفاسدة ، فقد عُرف عنه أنه يتهاون بالصلاة ، فقد ذُكر عند أيوب بأنّ عكرمة لا يحسن الصلاة ، فقال أيوب: أوكان يصلي ؟!
وعُرف عكرمة أيضاً بطعنه في الدين ، وذلك لمقولاته الباطلة ، منها :
قوله وقد وقف ذات يوم على باب مسجد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : ما فيه إلاّ كافر !
وكان يحب الغناء ويستمعه ، ويلعب بالنرد ، وكان خفيف العقل ، ولهذا نراهم قد زهدوا فيه وتركوا جنازته ولم يشيّعه أحد ، فاكتروا له أربعة من السودان(١) .
وأما مقاتل بن سليمان فشأنه شأن عكرمة في عدائه لاَمير المؤمنين عليهالسلام ، وكان من الكذابين والمتروكين ومن القائلين بالاِرجاء والتشبيه.
قال خارجة بن مصعب: كان جهم ومقاتل عندنا فاسقين فاجرين.
وقال: لم أستحلّ دم يهودي ولا ذمي ، ولو قدرت على مقاتل بن سليمان في موضع لا يراني فيه أحد لقتلته.
وقال الجوزجاني: كان كذاباً جسوراً.
وقال عمرو بن علي: متروك الحديث ، كذاب.
وقال ابن حبّان: كان يكذب في الحديث.
وقال أبو حاتم: متروك الحديث.
____________________
١) راجع: ميزان الاعتدال في نقد الرجال / الذهبي ٣: ٩٣ - ٩٦ ، دار إحياء الكتب العربية - القاهرة ط١ وتهذيب التهذيب ٧: ٢٦٣ - ٢٧٣ والطبقات الكبرى / ابن سعد ٥: ٢٨٧ - ٢٨٩ ، دار صادر - بيروت وشذرات الذهب / أبو الفلاح الحنبلي ١: ١٣٠ ، مكتبة القدسي - القاهرة والضعفاء الكبير / العقيلي المكي ٣: ٣٧٣ - ٣٧٤ / ١٤١٣ ، دار الكتب العلمية - بيروت ط١ ووفيات الاَعيان / ابن خلكان ٣: ٢٦٥ ، منشورات الشريف الرضي - قم ط٢ والمغني في الضعفاء / الذهبي ٢: ٤٣٨ - ٤٣٩ ، دار المعارف - سورية ط١.
وقال النسائي: كذاب ، ثم قال: الكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أربعة ، وعدّ مقاتلاً منهم.
وقال الذهبي: أجمعوا على تركه(١) .
أما عروة بن الزبير ، فكان ممّن يحملون عداءً شديداً لاَمير المؤمنين علي عليهالسلام حتى إنه إذا ذُكر علي عليهالسلام نال منه.
وعدّه الاسكافي من التابعين الذين كانوا يضعون أخباراً قبيحة في الاِمام علي عليهالسلام (٢) .
٢ - أما دعوى وحدة السياق باعتبار أن آية التطهير وردت ضمن آيات الخطاب لنساء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإن اختلاف الضمائر بين آية التطهير والآيات السابقة عليها والآيات اللاحقة لها يدلّ على اختلاف المخاطب ، فالخطاب قبل آية التطهير كان موجّهاً لنساء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بضمير التأنيث ( يانِسَاءَ النَّبيِّ لستُنَّ كأحدٍ مِن النِّساءِ ) (٣) ، ثم جاء الخطاب في آية التطهير بضمير التذكير ، فلو كان المراد بها نساء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لبقي الخطاب بضمير التأنيث (عنكنّ) و (يطهركنّ) ، وقد روي هذا الاستدلال عن زيد بن
____________________
١) راجع: ميزان الاعتدال ٤: ١٧٣ وسير أعلام النبلاء ٧: ٢٠١ وشذرات الذهب ١: ٢٢٧ وتهذيب التهذيب ١٠: ٢٧٩ - ٢٨٥ ووفيات الاَعيان ٥: ٢٥٥ ولسان الميزان / ابن حجر العسقلاني ٦: ٨٢ ، مؤسسة الاَعلمي - بيروت ط٢ والضعفاء والمتروكين / الدارقطني: ٦٤ ، مكتبة المعارف - الرياض ط١ والجرح والتعديل / ابن أبي حاتم ٨: ٣٥٤ ، حيدر آباد - الهند ط١. والمغني في الضعفاء ٢٠: ٦٧٥ والضعفاء الكبير ٤: ٢٣٨ - ٢٤١ / ١٨٣٣.
٢) شرح ابن أبي الحديد ٤: ٦٣ ، دار إحياء الكتب العلمية ط٢ والغارات / الثقفي ٢: ٥٧٦.
٣) سورة الاحزاب: ٣٣ / ٣٢.
علي بن الحسين عليهمالسلام (١) .
وقال أبو حيان الاندلسي في تفسيره في معرض ردّه على من ذهب إلى اختصاص الآية بالاَزواج: ليس بجيّد ، إذ لو كان كما قالوا لكان التركيب: (عنكنّ) و (يطهركنّ)(٢) .
ثم إن اختلاف المخاطب لا يقدح بوحدة سياق الآيات القرآنية ؛ لاَن الانتقال في سياق الضمائر وارد في القرآن الكريم في كثير من الآيات(٣) ، ووارد في الفصيح من لسان العرب وأشعارهم وأقوالهم ، وهو أحد وجوه البديع في علم البلاغة العربية ، ويسمى الالتفات.
ومن خلال تتبع الروايات التي تحدّثت عن آية التطهير ، يبدو واضحاً أنها لم تنزل مع الآيات التي تخاطب نساء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بل نزلت بصورة منفردة وفي واقعة معينة وقضية خاصة ، كما توحي بذلك روايات أمّ سلمة التي نزلت الآية في بيتها(٤) .
وذلك يدل على عدم صحة الاحتجاج بوحدة السياق التي روّج لها بعض من يهمهم التشكيك في كل فضيلة لعترة النبي المصطفى (صلوات الله عليهم أجمعين).
٣ - لقد صرّحت الكثير من الروايات التي جاءت على لسان أزواج النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بعدم شمول آية التطهير لهنّ ، وقد قدّمنا رواية الترمذي التي
____________________
١) تفسير القمي ٢: ١٩٣.
٢) البحر المحيط / أبو حيّان الاَندلسي ٧: ٢٣١ ، دار الفكر - بيروت ط٢.
٣) راجع: سورة يوسف: ١٢ / ٢٨ - ٢٩ وسورة الواقعة: ٥٦ / ٧٦ وسورة المنافقين: ٦٣ / ٧.
٤) راجع: مشكل الآثار / الطحاوي ١: ٣٣٣ ومستدرك الحاكم ٣: ١٤٦.
أخرجها عن أم سلمة ، أنها قالت: وأنا معهم يارسول الله ؟ فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنك على خير».
وأخرج الطحاوي عن أم سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي ( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) وفي البيت سبعة: جبريل وميكائيل وعلي وفاطمة والحسن والحسين - ورسول الله - وأنا على الباب ، قلتُ: ألست من أهل البيت ؟ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنك إلى خير، إنك من أزواج النبي»(١) .
وفي رواية أخرى: قالت أم سلمة: ألست من أهل البيت ؟ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «أنت إلى خير ، إنك من أزواج النبي ، وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين(٢) .
وفي رواية الحاكم: أنه صلىاللهعليهوآلهوسلم منع زينب من الدخول معهم ، وقال لها: «مكانك ، فانك إلى خير إن شاء الله»(٣) .
فهذه الروايات وغيرها كثير التي جاءت بألفاظ متقاربة قد أخرجت نساء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم عن مفهوم أهل البيت ، ومن الروايات الاخرى التي جاءت من غير أزواجه صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ما رواه مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم
____________________
١) مشكل الآثار / الطحاوي ١: ٣٣٣ والدر المنثور / السيوطي ٥: ١٩٨.
٢) مشكل الآثار ١: ٣٣٤.
٣) المستدرك على الصحيحين ٢: ٤١٥ والروايات في هذا المعنى كثيرة ، راجع: أسباب النزول / الواحدي: ٢٠٣ والصواعق المحرقة: ١٤٣ - ١٤٤ ومسند أحمد ٦: ٢٩٢ و٣٠٤ والسنن الكبرى / البيهقي ٥: ١١٢ / ٨٤٠٩ وكفاية الطالب / الكنجي الشافعي: ٢١٢ ، دار إحياء تراث أهل البيتعليهمالسلام - طهران ط٣.
وقد سُئل: من أهل بيته ، نساؤه ؟ قال: لا وايم الله ، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها ، أهل بيته أصله(١) .
٤ - لقد مارس الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم إجراءً عملياً في ضمّ علي وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام بردائه ليؤكد نزول آية التطهير فيهم دون غيرهم من أهل بيته وأزواجه وسائر المسلمين ، ولم يكتف صلىاللهعليهوآلهوسلم بهذا القدر ، بل أكّد على تطبيق هذا المفهوم مراراً ليؤكد للناس أن هؤلاء هم أهل بيته دون غيرهم وليبيّن عظم منزلتهم.
فقد روي عن أبي الحمراء أنه قال: حفظت من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ثمانية أشهر بالمدينة ، ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلا أتى إلى باب علي فوضع يده على جنبتي الباب ، ثم قال: « الصلاة الصلاة ( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) »(٢) ، وذلك بعد نزول قوله تعالى ( وأمُر أهلَكَ بالصَّلاةِ )(٣) .
وفي رواية اخرى عن أبي الحمراء ، قال: شهدنا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم تسعة أشهر يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت ( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) »(٤) .
____________________
١) صحيح مسلم ٤: ١٨٧٤ / ٣٧ كتاب فضائل الصحابة.
٢) الدر المنثور / السيوطي ٥: ١٩٩.
٣) سورة طه: ٢٠ / ١٣٢.
٤) مشكل الآثار / الطحاوي ١: ٣٣٨.
وروي نحوه عن ابن عباس(١) .
ولم يكن هذا الاجراء اعتباطياً من نبي الهدى صلىاللهعليهوآلهوسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، بل إنه قول وفعل وتقرير ينبىَ عن الارادة الالهية في تحديد المصداق الحقيقي لاَهل البيت في آية التطهير.
٥ - إن آية التطهير تقضي بإذهاب الرجس الذي هو الذنوب والآثام عن أهل البيت ، وقد صدّر النص بأقوى أدواة الحصر (إنما) لاِرادة التطهير وإذهاب الرجس.
قال الزمخشري: تطهّر من الاثم: تنزّه منه(٢) .
وقال الرازي: ( لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ ) أي يزيل عنكم الذنوب(٣) .
وقال الطبري: إنما يريد الله ليذهب عنكم السوء والفحشاء يا أهل بيت محمد ويطهّركم من الدنس الذي يكون في أهل معاصي الله تطهيراً.
وروى بسنده إلى سعيد بن قتادة أنه قال: ( إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ
____________________
١) الدر المنثور ٥: ١٩٩ ، وفي رواية ستة أشهر ، وفي أخرى سبعة أشهر ، وفي ثالثة عشرة ، وفي رابعة سبعة عشر شهراً، وفي خامسة تسعة عشر شهراً ، وقيل: استمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك إلى آخر عمره الشريف ؛ وذلك بحسب الفترة التي حفظها الراوي أو شاهدها ، وراجع مصادر اُخرى لهذه الاَحاديث: جامع البيان ٢٢: ٥ و٦ وتفسير ابن كثير ٣: ٤٨٣ وكنز العمال ١٦: ٢٥٧ ومجمع الزوائد ٩: ١٢١ و١٦٨ ومسند أحمد ٣: ٢٥٩ و ٢٨٥ والجامع الصحيح ٥: ٣٥٢ والمستدرك ٣: ١٥٨ وصححه ومسند الطيالسي ٨: ٢٧٤ وأُسد الغابة ٥: ٤٠٧ و ٦: ٧٨ - ٧٩ والبداية والنهاية ٥: ٣٢١ و ٨: ٢٠٥ وغيرها كثير.
٢) أساس البلاغة / الزمخشري: ٣٩٩ مادة طهر ، دار الفكر - بيروت.
٣) التفسير الكبير ٢٥: ٢٩.
الرِّجسَ أهلَ البيتِ ويُطهِّركُم تَطهيراً ) فهم أهل بيتٍ طهّرهم الله من السوء وخصّهم برحمة منه(١) .
وروي عن ابن عطية أنه قال: الرجس اسم يقع على الاثم والعذاب وعلى النجاسات والنقائص ، فأذهب الله جميع ذلك عن أهل البيت(٢) .
فالآية حسب كلام هؤلاء الاَعلام تفيد عصمة أهل البيت عليهمالسلام ، وأن الله تعالى أذهب عنهم الذنوب والآثام وطهّرهم من كل ألوان المعاصي ، وذلك مقتضى العصمة.
والسيرة الفعلية لبعض نساء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته الشريفة وبعد وفاته تنبىَ بخروجهن عن دائرة العصمة والطهارة من الذنوب والآثام ، فقوله تعالى في بعضهن: ( إن تَتُوبا إلى اللهِ ) (٣) يدلُّ على وقوع المعصية ؛ لاَنّ التوبة مترتبة على المعصية.
وقوله تعالى ( فَقَد صَغَت قُلُوبُكُما ) (٤) أي عدلت ومالت عن الحق ، وهو صريح بمخالفتهما.
وفي قوله تعالى: ( وإن تَظَاهَرا عَليهِ ) (٥) ، روى البخاري في الصحيح عن ابن عباس أنه سأل عمر بن الخطاب عن اللتين تظاهرتا على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم من أزواجه ، فقال: هما حفصة وعائشة(٦) .
____________________
١) تفسير الطبري ٢٢: ٥.
٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز / ابن عطية الاَندلسي ١٣: ٧٢ ، تحقيق المجلس العلمي بمكناس.
٣) و٤) و ٥) سورة التحريم: ٦٦ / ٤.
٦) صحيح البخاري ٦: ٢٧٧ / ٤٠٧ كتاب التفسير و ٧: ٥٠ / ١٢١ كتاب النكاح وراجع مزيداً
=
وقال الزمخشري في تفسيره لبعض الآيات التي ذكرت ونوّهت بنساء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : (وفي طي هذين التمثيلين بأميّ المؤمنين - يعني عائشة وحفصة - وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بما كرهه ، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده ، لما في التمثيل من ذكر الكفر)(١) .
وأما بعد وفاة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فمعلوم في السيرة والتاريخ موقف عائشة من عثمان وتأليبها الناس على قتله وتسميته بنعثل ، ولما قتل وعلمت بمبايعة الناس الاِمام علياً عليهالسلام ، ادّعت أن عثمان قُتل مظلوماً ، وفي ذلك يقول عبيدة بن أبي سلمة وهو ابن أمّ كلاب :
فمنك البداء ومنك الغير |
ومنك الرياح ومنك المطر |
|
وأنت أمرت بقتل الاِمام |
وقلت لنا إنه قد كفر(٢) |
ومن ثمَّ خروجها بعد ذلك على الخليفة الشرعي وتجهيزها جيشاً لمحاربته ، وقتل نتيجة تلك الحرب ثلاثون ألفاً من المسلمين.
ومثل هذه الاَعمال تخرج صاحبها عن حدّ الطهارة والعصمة من الآثام، سيّما وأن إرادة الطهارة في الآية لا يمكن تفسيرها بالارادة التشريعية القاضية بإذهاب الرجس عن جميع المكلفين لا عن خصوص أهل البيت عليهمالسلام بل هي إرادة التسديد والتوفيق اللذين يمدّ بهما سبحانه
____________________
=
من الاَمثلة عن سيرة حفصة وعائشة التي تدل على خروجهما من آية التطهير في كتاب النص والاجتهاد / الاِمام شرف الدين العاملي: ٤١٣ - ٤٢٨ ، وقد نقلها من أوثق كتب الجمهور.
١) الكشاف ٤: ٥٧١.
٢) تاريخ الطبري ٣: ١٢ حوادث سنة ٣٦ ، دار الكتب العلمية - بيروت ط٢ والكامل في التاريخ/ ابن الاَثير ٢: ٣١٣ ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ط١.
بعض عباده الذين يصطنعهم على عينه ، ويختارهم بعلمه ، ويراهم أهلاً لحمل مشعل دينه وهدايته ، ويؤيدهم بتسديده ولطفه بوسائل قد نعلمها وقد لانعلمها ، ومن هنا قال تعالى: ( اللهُ أعلمُ حيثُ يَجعلَ رِسَالَتهُ ) (١) .
ويمكن القول إنّ الاِرادة في آية التطهير إرادة تكوينية خصّ بها الله تعالى أهل البيت عليهمالسلام دون سواهم من الناس وحصر ذلك بأقوى أدوات الحصر ، والارادة التكوينية متعلقها الامور الواقعية من أفعال المكلفين ، ومحال أن يتخلف فيها مراده تعالى عمّا يريد(٢) .
وقد ثبت من خلال هذه الاَدلة أن آية التطهير لا تشمل نساء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما أنه لم تدّع واحدة من نساء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم نزول الآية فيهن مع ما فيها من شرف عظيم ومنزلة تمدّ إليها الاَعناق.
وعليه فالآية خاصة بالخمسة أهل الكساء: النبي وعلي والزهراء والسبطان الحسن والحسين عليهمالسلام ، وهو ما ورد في صحيح الاَخبار وقام الدليل على إثباته وبالله التوفيق.
____________________
١) راجع: روح التشيع / عبدالله نعمة: ٤٢٤ ، دار الفكر اللبناني - بيروت.
٢) راجع التشيع / الغريفي: ٢٠٨ ، دار الصبّاغ - دمشق ط ٦.
الفصل الثاني
حبّ أهل البيتعليهمالسلام في الكتاب والسُنّة
إنّ محبة أهل البيتعليهمالسلام والولاء لهم عنصر أساسي من عناصر العقيدة ومقومات الايمان ومرتكزات الرسالة المحمدية الغراء ، ولقد جاءت النصوص القرآنية والحديثية واضحة وصريحة في تأصيل هذا المبدأ الولائي وتعميق دلالاته ومعطياته.
وسنتناول في هذا الفصل بعض الاَمثلة من النصوص القرآنية التي تظافرت الروايات على نزولها في أهل البيتعليهمالسلام لتوكيد محبتهم وفرض مودّتهم ، ونعرض كذلك بعض الاَحاديث والاَخبار التي جاءت لتعميق هذا المبدأ العقائدي القويم ، وذلك في مبحثين :
المبحث الاَول
حب أهل البيت: في القرآن الكريم
فيما يلي نعرض أهم النصوص القرآنية النازلة في محبة أهل البيت عليهمالسلام أو المفسرة بذلك مع بيان الروايات والاخبار الموضحة لذلك من المصادر المعتبرة.
هذه هي آية المودة التي أكدت أغلب كتب التفسير وكثير من مصادر الحديث والسيرة والتاريخ نزولها في قربى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : علي والزهراء والحسن والحسين وذريتهم الطاهرين عليهمالسلام .
روى السيوطي وغيره في تفسير هذه الآية بالاسناد إلى ابن عباس ، قال: لما نزلت هذه الآية ( قُل لا أسألُكُم عَليه أجراً إلاّ المودَّةَ في القُربى ) قالوا: يارسول الله ، من قرابتك هؤلاء الذين وجّبت علينا مودتهم ؟
قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « علي وفاطمة وولداهما »(٢) .
____________________
١) سورة الشورى: ٢١ / ٢٣.
٢) الدر المنثور / السيوطي ٦: ٧ ، وروي الحديث أيضاً في: فضائل الصحابة / أحمد بن حنبل ٢: ٦٦٩ / ١١٤١ والمستدرك على الصحيحين ٣: ١٧٢ وشواهد التنزيل / الحسكاني ٢: ١٣٠ من عدّة طرق والصواعق المحرقة / ابن حجر: ١٧٠ وتفسير الرازي ٢٧: ١٦٦ ومجمع الزوائد / الهيثمي ٩: ١٦٨ والكشاف / الزمخشري ٤: ٢١٩ وذخائر العقبى / المحب الطبري: ٢٥ وإسعاف الراغبين / الصبان: ١١٣ وسائر كتب المناقب والتفاسير وراجع كتاب التشيع / السيد الغريفي: ٢١٥ - ٢١٦.
وهذه الآية تدلّ على وجوب المودة لاَهل البيت الذين نصّ الحديث على تحديدهم ، وقد استدلّ الفخر الرازي على ذلك بثلاثة وجوه ، فبعد أن روى الحديث عن الزمخشري قال: فثبت أن هؤلاء الاَربعة أقارب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، واذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيدٍ من التعظيم ، ويدلّ عليه وجوه :
الاَول: قوله تعالى: ( إلاّ المودَّةَ في القُربَى ) .
الثاني: لاشك أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يحبّ فاطمة عليهاالسلام ، قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « فاطمة بضعة مني ، يؤذيني ما يؤذيها » وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه كان يحبّ علياً والحسن والحسين، واذا ثبت ذلك وجب على كلّ الاَمة مثله، لقوله تعالى: ( واتَّبعُوهُ لَعلَّكُم تَهتَدُونَ ) (١) ، ولقوله: ( فَليَحذَرِ الَّذينَ يُخالِفُونَ عَن أمرِهِ ) (٢) .
الثالث:إنّ الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جُعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة، وهوقوله: «اللهم ّصلِّ على محمد وآل محمد وهذا التعظيم لم يوجد في حق غيرالآل، فكلّ ذلك يدل على أن حب محمد وآل محمد واجب.
وقال الشافعي:
يا راكباً قف بالمُحصّب من منى |
واهتف بساكن خِيفها والناهضِ |
|
سَحَراً إذا فاض الحجيجُ إلى منى |
فيضاً كما نَظم الفراتِ الفائضِ |
____________________
١) سورة الاعراف: ٧ / ١٥٨.
٢) سورة النور: ٢٤ / ٦٣.
إن كان رفضاً حبّ آل محمدٍ |
فليشهد الثقلان أني رافضي(١) |
وأشار الشافعي إلى نزول آية المودة في أهل البيت عليهمالسلام بقوله :
يا أهل بيت رسول الله حبكم فرضٌ من الله في القرآن أنزله(٢)
احتجّ أئمة الهدى المعصومون عليهمالسلام بهذه الآية على فرض مودتهم ووجوب محبتهم وحقّهم على كلِّ مسلم ، فقد روى زادان عن الاِمام أمير المؤمنين علي عليهالسلام ، أنّه قال: « فينا في آل حم آية ، لا يحفظ مودتنا إلاّ كل مؤمن » ثم قرأ: ( قُلْ لا أسألكُم عَليهِ أجراً إلاّ الموَدَّةَ في القُربَى ) (٣) .
وإلى هذا أشار الكميت الاَسدي بقوله :
وجدنا لكم في آل حم آية * تأولها منّا تقي ومعرب(٤)
وروي عن الاِمام زين العابدين عليهالسلام أنّه قال: خطب الحسن بن علي عليهالسلام الناس حين قتل علي عليهالسلام فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال: « وأنا من أهل البيت الذي افترض الله مودتهم على كل مسلم ، فقال تبارك وتعالى: ( قُلْ لا أسألكُم عَليهِ أجراً إلاّ الموَدَّةَ في القُربَى ومَن يَقتَرِف حَسَنَةً نَّزِد لهُ فِيها
____________________
١) تفسير الرازي: ٢٧ / ١٦٦.
٢) الصواعق المحرقة / ابن حجر: ١٤٨ - ١٧٥ وشرح المواهب / الزرقاني ٧: ٧ والاتحاف بحب الاشراف / الشبراوي: ٨٣ ، المطبعة الاَدبية - مصر واسعاف الراغبين/ الصبان: ١١٩.
٣) مجمع الزوائد ٩: ١٤٦ وتاريخ اصبهان ٢: ١٦٥ وكنز العمال ٢: ٢٩٠ / ٤٠٣٠ أخرجه عن ابن مردويه وابن عساكر والصواعق المحرقة: ١٧٠ وشواهد التنزيل ٢: ٢٠٥ / ٨٣٨ ومجمع البيان ٩: ٤٣.
٤) من قصيدة الكميت البائية من الهاشميات.
حُسناً ) فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت »(١) .
وأخرج ابن جرير عن أبي الديلم ، أنّه قال: لمّا جيء بعلي بن الحسين عليهالسلام أسيراً ، فأُقيم على درج دمشق ، قام رجلٌ من أهل الشام ، فقال: الحمد لله الذي قتلكم وأستأصلكم وقطع قرني الفتنة.
فقال له علي بن الحسين عليهالسلام : « أقرأت القرآن ؟ قال: نعم قال: أقرأت آل حم ، قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم قال: ما قرأت: ( قُل لا أسألكُم عَليهِ أجراً إلاّ المودَّةَ في القُربَى ) ؟ قال: وانكم لاَنتم هم ؟ قال: نعم »(٢) .
وروى اسماعيل بن عبدالخالق عن أبي عبدالله عليهالسلام - في حديث - قال: سمعته عليهالسلام يقول لاَبي جعفر الاَحول: « ما يقول أهل البصرة في هذه الآية ( قُلْ لا أسألكُم عَليهِ أجراً إلاّ الموَدَّةَ في القُربَى ) ؟ فقال: جعلت فداك ، انهم يقولون: إنّها لاَقارب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: كذبوا إنّما نزلت فينا خاصة ، في أهل البيت ، في علي وفاطمة والحسن والحسين أصحاب الكساء»(٣) .
____________________
١) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٧٢ ومجمع الزوائد ٩: ١٤٦ والصواعق المحرقة: ١٧٠ والفصول المهمة / ابن الصباغ المالكي: ١٦٦ وذخائر العقبى: ١٣٨ وشرح ابن أبي الحديد ١٦: ٣٠.
٢) تفسير الطبري ٢٥: ١٦ والبحر المحيط / أبو حيان ٧: ٥١٦ والصواعق المحرقة: ١٧٠ وشرح المواهب ٧: ٢٠ وروح المعاني / الآلوسي ٢٥: ٣١ ، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٣) الكافي ٨: ٧٩ / ٦٦ وقرب الاسناد / أبو العباس الحميري: ١٢٨ / ٤٥٠ ، مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لاحياء التراث - قم ط٢.
مما تقدم يتبين أن آية المودة واضحة وصريحة في وجوب محبة أهل البيت عليهمالسلام ، وهو المعنى المتبادر من الآية كما ذكره العلماء كالكرماني(١) ، والعيني(٢) وغيرهما ، فضلاً عن الاَحاديث المفسّرة للآية الواردة عن أهل البيت عليهمالسلام وعن جمعٍ من الصحابة والتابعين وأئمة الحديث(٣) .
ورغم أن الآية واضحة الدلالة وضوح الشمس في رائعة النهار إلاّ أن البعض حاول إزالة الحقّ عن موضعه متأولاً كلام الله بما تشتهي نفسه مبتدعاً بعض الاَقوال التي لا تستند إلى دليل علمي أو هي قائمة على دليل واهٍ لا يصلح حجة ولا ينهض برهاناً وافياً في بيان المراد من الآية الكريمة ، وفيما يلي أهم هذه الاَقوال :
القول الاَول: قيل إن الخطاب لقريش والاَجر المسؤول هو مودتهم للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لقرابته منهم ، وذلك لاَنهم كانوا يكذّبونه ويبغضونه لتعرضه لآلهتهم على ما في بعض الاَخبار ، فأُمِر صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يسألهم في حال عدم إيمانهم المودّة ، لمكان قرابته منهم ، وأن لا يؤذوه ولا يبغضوه.
ومستند هذا القول هو رواية عن طاووس قال: (سأل رجل ابن عباس عن قول الله عزَّ وجل: ( قُل لا أسألكم عَليهِ أجراً إلاّ الموَدَّةَ في القُربَى ) فقال
____________________
١) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري / الكرماني ١٨: ٨٠ ، دار الفكر - بيروت ط١.
٢) عمدة القاري في شرح صحيح البخاري / العيني ١٩: ١٥٧ ، دار الفكر - بيروت.
٣) روى حديث نزول الآية في محبة أهل البيتعليهمالسلام ستة من الاَئمة المعصومينعليهمالسلام وأكثر من عشرة من الصحابة والتابعين ، وورد الحديث في نحو سبعة وخمسين مصنفاً من مصنفات أئمة الحديث راجع تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات / السيد الميلاني ١: ٢٣٦ - ٢٣٩ والغدير/ العلاّمة الاَميني ٣: ١٧٢.
سعيد بن جبير: قربى محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال ابن عباس: عجّلت ، وإن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يكن بطن من بطون قريش إلاّ ولرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فيهم قرابة فنزلت: ( قُلْ لا أسألكُم عَليهِ أجراً إلاّ الموَدَّةَ في القُربَى ) إلاّ أن تصلوا قرابة مابيني وبينكم من القرابة)(١) .
وفي هذا القول أمور ، منها :
١ - إنّ نظرة أولية لسند هذه الرواية تسقطها من الاعتبار ، ففي سندها شعبة بن الحجاج وهو معروف بالوضع والكذب ، وفيه يحيى بن عبّاد الضبعي وهو من الضعفاء ، كما صرح بذلك ابن حجر عن الساجي(٢) .
ولم يعقّب الذهبي على كلام الساجي في تضعيفه(٣) . وفيه محمد بن جعفر(٤) وقد ذكره ابن حجر مع من تكلم فيه ، وذكر قول ابن أبي حاتم: (..لايحتج به)(٥) .
وفيه محمد بن بشار وهو أيضاً ممن تكلم فيه علماء الجرح والتعديل ، وذكروا أنه ضعيف(٦) .
ومما تقدم يتبيّن أن سند الرواية يدل على أنها ساقطة من الاعتبار ولا تكون محلاً للاحتجاج.
____________________
١) مسند أحمد ١: ٢٢٩ و ٢٨٦ وصحيح البخاري ٦: ٢٣١ / ٣١٤ كتاب التفسير والمطالب العالية/ ابن حجر ٣: ٣٦٨.
٢) مقدمة فتح الباري / ابن حجر العسقلاني: ٤٥٢ ، دار إحياء التراث العربي - بيروت ط٢.
٣) ميزان الاعتدال ٤: ٣٨٧.
٤) محمد بن جعفر في رواية البخاري.
٥) الجرح والتعديل ٧: ٢٢٢ وراجع: مقدمة فتح الباري: ٤٣٧.
٦) مقدمة فتح الباري: ٤٣٧ وميزان الاعتدال ٣: ٤٩٠.
٢ - إنّ هذه الرواية معارضة لما تواتر من الاَحاديث الصحيحة عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد ذكرنا بعضها آنفاً ، ومعارضة لحديث آخر صحيح عن ابن عباس(١) ، وآخر لسعيد بن جبير ، يصرّحان بأن المراد من القربى في الآية هم: (الاِمام علي، والزهراء، والحسن، والحسين عليهمالسلام )(٢) .
٣ - إنّ الآية مدنية لا مكية كما جاء في سبب نزولها ، وإنّ الخطاب فيها لكافة المسلمين لا لخصوص قريش.
القول الثاني: معنى القربى في آية المودة التقرب إلى الله ، والمودة في القربى هي التودد إليه تعالى بالطاعة والتقرب ، فالمعنى: لا أسألكم عليه أجراً إلاّ أن تودّوه وتحبوه تعالى بالتقرب إليه.
ومستند هذا القول رواية منسوبة إلى ابن عباس عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: « قُلْ لا أسألكم عليه أجراً على ما جئتكم به من البينات والهدى إلاّ أن تتقربوا إلى الله بطاعته »(٣) .
وفي هذا القول عدة أمور ، منها :
١ - إنّ الرواية التي يستند إليها هذا القول ضعيفة السند كما صرّح بذلك ابن حجر(٤) .
____________________
١) البحر المحيط ٧: ٥١٦ وذخائر العقبى: ٣٥ ومناقب ابن المغازلي: ١٩٢ / ٢٦٣ ، دار الاضواء - بيروت.
٢) ينابيع المودة ١: ٢١٥ - ٢١٦ / ١ و ٢ و ٣.
٣) تفسير الرازي ٢٧: ١٦٥ وفتح الباري / ابن حجر العسقلاني ٨: ٤٥٨ ، دار احياء التراث العربي - بيروت ط٢.
٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٨: ٤٥٨.
٢ - لم يرد في لغة العرب استعمال لفظ القربى بمعنى التقرب.
٣ - إنّ التقرب إلى الله سبحانه هو محتوى ومضمون الرسالة نفسها ، فكيف يطلب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم التقرب إلى الله تعالى لاَجل التقرب إلى الله تعالى، وهذا أمر لا يعقل ولا يرتضيه الذوق السليم لاَنّه يؤدي إلى أن يكون الاَجر والمأجور عليه واحد.
على أن في هذه الآية قولين آخرين هما أبعد مما ذكرناه ، فلا يُعبأ بهما، ومن مجمل ما تقدم يتبين أن المراد بالمودة في القربى ، مودة قرابة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وهم عترته من أهل بيته عليهمالسلام ، وقد تكاثرت الروايات من طرق العامّة والشيعة في تفسير الآية بهذا المعنى على ما بيناه في أول الفصل ، ويؤيده الاَخبار المتواترة من طرق الفريقين على وجوب موالاة أهل البيت عليهمالسلام ومحبتهم.
وقال الزمخشري بعد اختياره لهذا الوجه: فان قلت: هلاّ قيل: إلاّ مودة القربى ، أو إلاّ المودة للقربى ؟ وما معنى قوله: إلاّ المودة في القربى ؟
قلت: جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها ، كقولك: لي في آل فلان مودة ، ولي فيهم هوى وحبّ شديد ، تريد أحبهم وهم مكان حبي ومحله.
قال: وليست (في) بصلة للمودة كاللام ، إذا قلت: إلاّ المودة للقربى ، إنّما هي متعلقة بمحذوف تعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس ، وتقديره: إلاّ المودة ثابتة في القربى ومتمكنة فيها(١) .
إنّ التأمل في هذا التأكيد على ثبوت المودة في القربى وتمكنها فيهم
____________________
١) الكشاف ٤: ٢١٩.
وكونهم جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها ، والتأمل في الروايات المتواترة الواردة من طرق الفريقين عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم المتضمنة لارجاع الناس في فهم كتاب الله بما فيه من أصول معارف الدين وفروعها وبيان حقائقه إلى أهل البيت كحديث الثقلين وحديث السفينة وغيرهما ، لا يدع ريباً في أن إيجاب مودتهم عليهمالسلام على كل مسلم وجعلها أجراً للرسالة ، إنّما كان وسيلة لاِرجاع الناس إليهم ، لما لهم من المكانة العلمية ولبيان دورهم الرسالي والريادي في حياة الاُمّة.
بعد أن ثبت أن الآية تخص أهل بيت العصمة عليهمالسلام المتمثلين بالاِمام علي والبتول فاطمة وذريتهما من الاَئمة المعصومين عليهمالسلام ، أُثيرت حولها شبهات من قبل المخالفين والمبغضين لاَهل البيت عليهمالسلام ، ليصرفوها عن وجهها الصحيح ، وفيما يلي نعرض هذه الشبهات مع الرد عليها :
مضمون هذه الشبهة هو نفي كون الآية ثابتة في أهل بيت النبوة عليهمالسلام والروايات المؤكدة والمؤيدة لها ، وذلك من خلال ادعاء أن سورة الشورى مكية ، ولم يتزوج الاِمام علي من الزهراء عليهماالسلام ، ولم يكن هناك الحسن والحسين عليهماالسلام ، حتى تكون الآية نازلة في حقهم.
الجواب :
أولاً: إنّ الاَخبار والاحاديث الواردة عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والاَئمة الطاهرين عليهمالسلام وتصريح الاصحاب والتابعين والعلماء على أن الآية ثابتة بحق أهل البيت عليهمالسلام كافٍ في ردِّ الشبهة وإبطالها.
ثانياً: إنّ ظاهرة وجود آيات مدنية في سور مكية ، أو وجود آيات مكية في سور مدنية ، كثيرة جداً في القرآن الكريم ، ولا يمكن لاَحد إنكارها أو التشكيك فيها ، ومن أمثلة ذلك :
١ - سورة الرعد فانها مكية إلاّ قوله تعالى: ( ولا يَزال الَّذينَ كَفَرُوا... ) (١) .
٢ - سورة الاسراء فإنّها مكية إلاّ قوله تعالى: ( وإن كَادُوا ليَستَفزُونَكَ... واجعَل لي مِن لَدُنك سُلطاناً نَصِيراً ) (٢) .
٣ - سورة المدّثر فإنّها مكية غير آية من آخرها(٣) .
٤ - سورة المطففين فإنّها مكية إلاّ الآية الاُولى(٤) .
هذا بالنسبة إلى وجود آيات مدنية في سور مكية.
ومن الآيات المكية التي جاءت في سور مدنية :
١ - سورة المجادلة فإنّها مدنية إلاّ العشر الاَول(٥) .
٢ - سورة البلد فإنّها مدنية إلاّ من الآية الاُولى إلى الآية الرابعة(٦) .
____________________
١) تفسير القرطبي ٩: ٢٨٧ وتفسير الرازي ١٨: ٢٣٠ ، مكتبة عبدالرحمن محمد - مصر ط١ والسراج المنير / الشربيني ٢: ١٣٧.
٢) تفسير القرطبي ١٠: ٢٠٣ وتفسير الرازي ٢٠: ١٤٥ والسراج المنير ٢: ٢٦١.
٣) تفسير الخازن ٤: ٣٤٣ ، دار المعرفة - بيروت.
٤) تفسير الطبري ٣٠: ٥٨.
٦) تفسير أبي السعود ٨: ٢١٥ في الهامش ، دار إحياء التراث العربي - بيروت والسراج المنير ٤: ٢١٠.
٧) الاتقان ١: ١٧.
وغيرها كثير.
ثالثاً: صرّح الكثير من العلماء والمفسرين على أن آية المودة مع ثلاث آيات بعدها قد نزلت بالمدينة المنورة.
قال الشوكاني في ذلك: (وروى ابن عباس وقتادة أنها - سورة الشورى - مكية إلاّ أربع آيات منها أُنزلت بالمدينة: ( قُل لا أسألكُم... ) (١) .
وقال الالوسي في معرض الجواب: (هي مكية إلاّ أربع آيات ، من قوله تعالى: ( قُلْ لا أسألكُم... ) إلى أربع آيات ، وقال مقاتل فيها مدني)(٢) .
كما أجاب القرطبي بقوله: (قال ابن عباس وقتادة: إلاّ أربع آيات منها أُنزلت بالمدينة ( قُل لا أسألكُم... ) إلى آخرها)(٣) ، كذلك ذكر النيسابوري والخازن في تفسيرهما(٤) .
مضمون هذه الشبهة: إنّ طلب الاَجر على الرسالة والهداية من قبل النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لا يتناسب مع مقام النبوة السامي ؛ لاَنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم متفانٍ في الله سبحانه ، وان كل الذي عاناه من العذاب والمشقة والهجرة وسوء المعاملة والحصار والمحاربة حتى من عشيرته وقومه ، والذي تحمله بصبر وإيمان منقطع النظير ، كان في عين الله وفي سبيله لا يبتغي منه إلاّ مرضاة الله سبحانه وتعالى ، وأنّه لا يطلب أي شيء على ذلك ،
____________________
١) فتح القدير ٤: ٦٧١ - ٦٧٢.
٢) روح المعاني / الالوسي ٢٥: ١٠.
٣) تفسير القرطبي ١٦: ١.
٤) تفسير الخازن ٤: ٤٩.
فلايناسبه صلىاللهعليهوآلهوسلم أن يطلب أجراً على الرسالة في مودة قرباه.
وقالوا إنّ الآية تناقض بعض الآيات القرآنية التي تنفي طلب الاَجر ، مثل قوله تعالى: ( ... قُلْ ما أسألُكُم عَلَيهِ مِن أجرٍ وَمَا أنَا مِنَ المُتَكَلّفِينَ ) (١) .
وقوله تعالى: ( قُلْ ما سألتُكُم مِن أجرٍ فَهُو لَكُم إن أجرِيَ إلاّ عَلى اللهِ وهُو على كُلِّ شَيءٍ شَهيدٌ ) (٢) .
وقوله تعالى: ( قُلْ ما أسألكُم عَلَيهِ مِن أجرٍ إلاّ مَن شَاءَ أن يَتَّخِذَ إلى ربِّهِ سَبِيلاً ) (٣) .
وقوله تعالى: ( قُلْ لا أسألُكُم عليهِ أجراً إن هُوَ إلاّ ذِكرى للعَالَمِينَ ) (٤) .
الجواب :
إنّ المتتبع لسيرة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وبالاَخص في بداية الدعوة الاِسلامية يجد أن النبي الاَكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم قد وقف بكل صلابة وإيمان راسخ في محاربة العصبية القبلية والحمية الجاهلية التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي آنذاك ، وقد وضع الاِسلام مقابل ذلك ميزاناً آخر للاَفضلية وهو التقوى والعمل الصالح ، قال تعالى: ( إنّ أكرَمَكُم عِندَ اللهِ أتقَاكُم ) (٥) .
وعلى هذا الاَساس حارب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كل من حارب الاِسلام
____________________
١) سورة ص: ٣٨ / ٨٦.
٢) سورة سبأ: ٣٤ / ٤٧.
٣) سورة الفرقان: ٢٥ / ٥٧.
٤) سورة الانعام: ٦ / ٩٠.
٥) سورة الحجرات: ٤٩ / ١٣.
ووقف عقبة أمام نشره ولو كان أقرب الناس إليه في القرابة مثل عمه وعشيرته ، فتراه لعن عمّه أبا لهب وتبرأ منه: ( تَبَّت يَدَا أبي لَهبٍ وَتَبَّ * ماأغنَى عَنهُ مَالُهُ وما كَسَبَ... ) (١) ، ومن جانب آخر قرّب إليه من آمن به وصدّق بنبوّته ولو كان لا يمس إليه بصلة أو قرابة ، بل حتى لو كان عبداً حبشياً أو مولىً ، كما قال صلىاللهعليهوآلهوسلم في حق سلمان الفارسي: « سلمان منّا أهل البيت »(٢) . فالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم عندما يطلب المودة لاَقربائه ويجعلها أجراً على رسالته ، لا يعني بذلك جميع أقربائه ؛ لاَنّ ذلك ينافي صريح القرآن الكريم ، إذ كيف يطلب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مودة من لعنه الله في محكم كتابه مثل أبي لهب ، وإنّما يطلب المودة لمجموعة خاصة وأفراد معينين من أقربائه ، والذين بهم يتم حفظ الرسالة الاِسلامية والنبوة المحمدية ، ومنهم يؤخذ الدين الصحيح ، وبهم النجاة من الاختلاف والانحراف ، وهم الاَئمة المعصومون عليهمالسلام من أهل البيت.
فالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم إذن يطلب الاَجر الذي هو بالحقيقة عائد إلى المسلمين ، لا إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ولا إلى أهل بيته عليهمالسلام ؛ لاَنّهم لم يكونوا بحاجة إلى هذه المودة ، إلاّ بالقدر الذي يفيد سائر الاُمّة في الحفاظ على مبادىَ الدين وكتاب الله المبين وسيرة سيد المرسلين صلىاللهعليهوآلهوسلم .
وبهذا يتضح أنه ليس ثمة منافاة بين الآية وبين الآيات التي تنفي طلب الاَجر ، فالاَجر في الآيات هو أجر حقيقي ، وهذا ما لا يطلبه رسول
____________________
١) سورة المسد: ١١١ / ١ - ٢.
٢) أُسد الغابة ٢: ٤٢١ ومسند أبي يعلى ٦: ١٧٧ / ٦٧٣٩ ، دار المأمون للتراث - دمشق ط١.
الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وإنّما عمله خالص لله تعالى ، أما الاَجر في الآية فهو لفظي ؛ لاَنّه يرجع بكلِّ بركاته ومعطياته على المسلمين ، وهو صريح قوله تعالى: ( قُلْ ما سألتُكُم من أجر فَهُو لَكُم... ) .
وقد تأكد ممّا قدمناه أنّ آية المودة والنصوص المفسرة لها كافية في إثبات وجوب حبّ أهل البيت عليهمالسلام على كل مسلم ، ولتأصيل هذا المبدأ وتعميق دلالاته نورد بعض الآيات الاَخرى المفسّرة بهذا المعنى.
فقد ورد عن جابر بن عبدالله قوله: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي بن أبي طالب عليهالسلام : « يا علي قُل: ربِّ اقذف لي المودة في قلوب المؤمنين ، رب اجعل لي عندك عهداً ، رب اجعل لي عندك وداً » ، فأنزل الله تعالى: ( إنَّ الَّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجعلُ لَهُمُ الرَّحمنُ ودَّاً ) فلا تلقى مؤمناً ولامؤمنة إلاّ وفي قلبه ود لاَهل البيت عليهمالسلام (٢) .
وروي الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس(٣) . وعن أبي سعيد الخدري(٤) ، والبراء بن عازب(٥) ، ومحمد بن الحنفية(٦) .
____________________
١) سورة مريم: ١٩ / ٩٦.
٢) شواهد التنزيل ١: ٤٦٤ / ٤٨٩ وغاية المرام: ٣٧٣ باب ٧٣.
٣) مجمع الزوائد ٩: ١٢٥ وخصائص الوحي المبين: ١٠٨ فصل ٧ والدر المنثور ٤: ٢٨٧.
٤) شواهد التنزيل ١: ٤٧٤ / ٥٠٤.
٥) فرائد السمطين ١: ٨ باب ١٤ ومناقب ابن المغازلي: ٣٢٧ / ٣٧٤ وكشف الغمة ١: ٣١٤ وتفسير الكشف والبيان في تفسير الآية وخصائص الوحي المبين: ٧١ فصل ٧.
٦) الرياض النضرة / المحب الطبري ٢: ١٢٥ ، دار الكتب - بيروت والصواعق المحرقة: ١٧٢ ونور
عن الاِمام أبي جعفر الباقر عليهالسلام قال: « دخل أبو عبدالله الجدلي على أمير المؤمنين فقال له: يا أبا عبدالله ألا أخبرك بقوله تعالى: ( من جاء بالحسنة فله خيرٌ منها.. ) ؟ قال: بلى جعلت فداك قال عليهالسلام : الحسنة حبنا أهل البيت والسيئة بغضنا ، ثم قرأ الآية »(٢) .
ونفس الحديث ورد على لسان أبي عبدالله الجدلي(٣) .
عن الاِمام أمير المؤمنين عليهالسلام : « أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لما نزلت هذه الآية قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : ذاك من أحب الله ورسوله وأحب أهل بيتي صادقاً غير كاذب ، وأحب المؤمنين شاهداً وغائباً ، ألا بذكر الله يتحابّون »(٥) .
هذا وقد وردت آيات كثيرة مفسرة في تأكيد هذا المعنى بطرق صحيحة عن أهل البيت عليهمالسلام أعرضنا عن ذكرها ايثاراً للاختصار.
____________________
الاَبصار: ١٢٤.
١) سورة القصص: ٢٨ / ٨٤.
٢) كشف الغمة ١: ٣٢١ و٣٢٤ وتفسير البرهان / الحسيني البحراني ٣: ٢١٢ ، مؤسسة البعثة - قم ط١ ومجمع البيان في تفسير الآية وينابيع المودة ١: ٢٩٢ / ٥ وفرائد السمطين ٢: ٢٩٧ - ٢٩٩ وأرجح المطالب: ٨٤ ومناقب ابن المغازلي: ١٣٨.
٣) فرائد السمطين ٢: ٢٩٧ وتفسير الكشف والبيان / الثعلبي في تفسير الآية.
٤) سورة الرعد: ١٣ / ٢٨.
٥) كنز العمال ١: ٢٥٠ والدر المنثور ٤: ٥٨.
المبحث الثاني
حبّ أهل البيت عليهمالسلام في السُنّة المطهّرة
أثبتت النصوص القرآنية كما تقدم في المبحث الاَول مبدأ المودّة لاَهل البيت عليهمالسلام بشكل صريح لا يقبل التأويل ، وفي هذا المبحث سنسلط الضوء على بعض ما ورد في السُنّة المباركة في تأكيد المودّة والولاء لاَهل البيت عليهمالسلام وبيان فضل حبهم وخصائصه وعلاماته.
وقد أكدت السُنّة المباركة على أنّ حبّ أهل البيت عليهمالسلام أساس الاِسلام وعلامة الاِيمان وأفضل العبادة وأن حبهم حبّ الله ورسوله ، والتأكيد على هذه المضامين يدلّ على أنّ حب أهل البيت عليهمالسلام يجسّد عمق الولاء والمحبة للرسالة بجميع مفرداتها ، بل هو مرتكز أساس لعمق الانتماء للاِسلام وأصالة الارتباط بالعقيدة وقوة التفاعل معها.
والقراءة المتأملة للنصوص الحديثية التي سنوردها في هذا المبحث تبرز لنا بوضوح أصالة العلاقة بين مبدأ المحبة لهم عليهمالسلام وبين الانتماء للرسالة ، فبمقدار ما يترسّخ هذا المبدأ في شعور الاُمّة ووجدانها يتعزّز المستوى الولائي للرسالة والعقيدة وتتحدد الهوية الايمانية للاُمّة.
وفيما يلي نشير إلى أهم مضامين الحبّ والمودّة لاَهل البيت عليهمالسلام الواردة في السُنّة المطهرة ، مذكّرين بأن النصوص الحديثية المعبّرة عن تلك المضامين قد جاءت على نحوين ، الاَول منها: عبّر عن الاَئمة المعصومين عليهمالسلام بأهل البيت ، والثاني: عبّر عن أعيانهم وأشار إلى
أسمائهم.
١ - قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيكم ، وحب أهل بيته ، وقراءة القرآن »(١) .
٢ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أُذكركم الله في أهل بيتي ، أُذكركم الله في أهل بيتي ، أُذكركم الله في أهل بيتي »(٢) .
٣ - وقال أمير المؤمنين عليهالسلام : « أحسن الحسنات حبنا ، وأسوأ السيئات بغضنا »(٣) .
١ - قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه ، وأحبوني لحبّ الله ، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي »(٤) .
٢ - وعن زيد بن أرقم ، قال: كنت عند رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فمرّت فاطمة عليهاالسلام وهي خارجة من بيتها إلى حجرة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ومعها ابناها الحسن والحسين ، وعلي عليهمالسلام في آثارهم ، فنظر إليهم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال :
____________________
١) كنز العمال ١٦: ٤٥٦ / ٤٥٤٠٩ والصواعق المحرقة: ١٧٢ وفيض القدير ١: ٢٢٥ / ٣١١.
٢) صحيح مسلم ٤: ١٨٧٣ / ٢٤٠٨ ومسند أحمد ٤: ٣٦٧ والسنن الكبرى / البيهقي ٢: ١٤٨ و٧: ٣٠.
٣) غرر الحكم ١: ٢١١ / ٣٣٦٣.
٤) سنن الترمذي ٥: ٦٦٤ / ٣٧٨٩ وحلية الاَولياء وطبقات الاصفياء / أبو نعيم الاصفهاني ٣: ٢١١ ، دار الكتاب العربي - بيروت ، ط٤ وتاريخ بغداد ٤: ١٥٩ وأُسد الغابة ٢: ١٣ والمستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٠ وقال عنه: حديث صحيح الاسناد ، ووافقه الذهبي.
«من أحبّ هؤلاء فقد أحبّني ، ومن أبغضهم فقد أبغضني »(١) .
٣ - وقال أمير المؤمنين عليهالسلام : « سمعتُ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: أنا سيد ولد آدم ، وأنت يا علي والاَئمة من بعدك سادة أُمتي ، من أحبنا فقد أحبّ الله ، ومن أبغضنا فقد أبغض الله ، ومن والانا فقد والى الله ، ومن عادانا فقد عادى الله ، ومن أطاعنا فقد أطاع الله ، ومن عصانا فقد عصى الله »(٢) .
٤ - وقال الاِمام الصادق عليهالسلام : « من عرف حقنا وأحبنا ، فقد أحبّ الله تبارك وتعالى »(٣) .
١ - قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أساس الاِسلام حبي وحب أهل بيتي »(٤) .
٢ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لكلِّ شيء أساس ، وأساس الاِسلام حبنا أهل البيت »(٥) .
٣ - وقال أمير المؤمنين عليهالسلام : « قال لي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : يا علي ، إنّ الاِسلام عريان ، لباسه التقوى ، ورياشه الهدى ، وزينته الحياء ، وعماده الورع، وملاكه العمل الصالح ، وأساس الاِسلام حبّي وحبّ أهل بيتي »(٦) .
____________________
١) ترجمة الاِمام الحسينعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق: ٩١ / ١٢٦.
٢) أمالي الصدوق: ٣٨٤ / ١٦ ، منشورات مؤسسة الاَعلمي - بيروت ط٥.
٣) الكافي ٨: ١١٢ / ٩٨ ومجموعة ورّام ٢: ١٣٧ ، دار صعب ، دار التعارف - بيروت.
٤) كنز العمال ١٢: ١٠٥ / ٣٤٢٠٦ والدر المنثور ٦: ٧.
٥) المحاسن / البرقي ١: ٢٤٧ / ٤٦١ ، المجمع العالمي لاَهل البيتعليهمالسلام - قم ط١.
٦) كنز العمال ١٣: ٦٤٥ / ٣٧٦٣١.
١ - قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « حب آل محمد يوماً خير من عبادة سنة ومن مات عليه دخل الجنة »(١) .
٢ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « اعلم أنّ أول عبادته المعرفة به.. ثم الايمان بي والاقرار بأنّ الله أرسلني إلى كافة الناس بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله باذنه وسراجاً منيراً ، ثم حب أهل بيتي الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً »(٢) خف.
٣ - وقال الاِمام الصادق عليهالسلام : « إنّ فوق كل عبادةٍ عبادةً ، وحبنا أهل البيت أفضل عبادة »(٣) .
١ - قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا يؤمن عبد حتى أكون أحبُّ إليه من نفسه ، وأهلي أحبُّ إليه من أهله ، وعترتي أحبُّ إليه من عترته ، وذاتي أحبُّ إليه من ذاته »(٤) .
____________________
١) الفردوس بمأثور الخطاب / الديلمي ٢: ١٤٢ / ٢٧٢١ ، دار الكتب العلمية - بيروت ط١ ونور الاَبصار: ١٢٧ والكافي ٢: ٤٦ / ٣.
٢) أمالي الطوسي: ٥٢٦ / ١١٦٢ ، مؤسسة البعثة - قم ط١ ومكارم الاخلاق / الطبرسي ٢: ٣٦٣/ ٢٦٦١ ، مؤسسة النشر الاِسلامي - قم ومجموعة ورّام ٢: ٥١ - ٥٢.
٣) المحاسن ١: ٢٤٧ / ٤٦٢.
٤) المعجم الاوسط / الطبراني ٦: ١١٦ / ٥٧٩٠ والمعجم الكبير / الطبراني ٧: ٨٦ / ٦٤١٦ والفردوس ٥: ١٥٤ / ٧٧٩٦ وأمالي الصدوق: ٢٧٤ / ٩ وعلل الشرائع / الصدوق: ١٤٠ / ٣ ، منشورات المكتبة الحيدرية - النجف الاَشرف.
٢ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا يحبنا أهل البيت إلاّ مؤمن تقي ، ولا يبغضنا إلاّ منافق شقي »(١) .
٣ - وقال الاِمام الباقر عليهالسلام : « حبنا إيمان ، وبغضنا كفر»(٢) .
٤ - وقال عليهالسلام : « إنّما حبنا أهل البيت شيء يكتبه الله في قلب العبد ، فمن كتبه الله في قلبه لم يستطع أحد أن يمحوه ، أما سمعت الله يقول: ( أولئك كتبَ في قلُوبِهِم الاِيمان وأيّدَهُم بِروحٍ مِنهُ ) فحبنا أهل البيت من أصل الاِيمان »(٣) .
١ - قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مشيراً إلى أمير المؤمنين عليهالسلام : « يا أيُّها الناس امتحنوا أولادكم بحبّه ، فإنّ علياً لا يدعو إلى ضلالة ، ولا يبعد عن هدىً ، فمن أحبّه فهو منكم ، ومن أبغضه فليس منكم »(٤) .
٢ - وروي عن أبي بكر أنّه قال: رأيت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم خيّم خيمة ، وهو متكىَ على قوس عربية ، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين ، فقال: « معشر المسلمين ، أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة ، وحرب لمن حاربهم ، ولي لمن والاهم ، لا يحبّهم إلاّ سعيد الجَدّ طيب المولد ، ولا يبغضهم إلاّ شقي الجدّ رديء الولادة »(٥) .
____________________
١) ذخائر العقبى: ٢١٨ والصواعق المحرقة: ٢٣٠.
٢) الكافي ١: ١٨٨ / ١٢ والمحاسن ١: ٢٤٧ / ٤٦٣.
٣) شواهد التنزيل ٢: ٣٣٠ / ٩٧١.
٤) ترجمة الاِمام عليعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق ٢: ٢٢٥ / ٧٣٠.
٥) الرياض النضرة ٢: ١٨٩ ومناقب العشرة: ١٨٩ وأرجح المطالب: ٣٠٩.
٣ - وعن أمير المؤمنين عليهالسلام في وصية النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لاَبي ذر رضياللهعنه قال :« قال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : يا أبا ذر ، من أحبّنا أهل البيت فليحمد الله على أوّل النعم قال: يا رسول الله ، وما أول النعم ؟ قال: طيب الولادة ، إنّه لا يحبنا إلاّ من طاب مولده »(١) .
٤ - وقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « يا علي ، من أحبني وأحبك وأحبّ الاَئمة من ولدك ، فليحمد الله على طيب مولده ، فإنّه لا يحبنا إلاّ من طابت ولادته ، ولا يبغضنا إلاّ من خبثت ولادته »(٢) .
٥ - وقال الاِمام الصادق عليهالسلام : « والله لا يحبنا من العرب والعجم إلاّ أهل البيوتات والشرف والمعدن ، ولا يبغضنا من هؤلاء وهؤلاء إلاّ كل دنس ملصق »(٣) .
٦ - وقال عبادة بن الصامت: كنّا نبور(٤) أولادنا بحبّ علي بن أبي طالب ، فإذا رأينا أحداً لا يحبُّ علي بن أبي طالب ، علمنا أنّه ليس منّا ، وانه لغير رشدة(٥) .
٧ - وقال محبوب بن أبي الزناد: قالت الاَنصار: إن كنّا لنعرف الرجل لغير أبيه ببغضه علي بن أبي طالب(٦) .
____________________
١) أمالي الطوسي: ٤٥٥ / ١٠١٨ ومعاني الاَخبار / الصدوق: ١٦١ / ١ ، دار المعرفة - بيروت وأمالي الصدوق: ٣٨٣ / ١٢ وعلل الشرائع: ١٤١ / ١ والمحاسن ١: ٢٣٢ / ٤١٩.
٢) أمالي الصدوق: ٣٨٤ / ١٤ ومعاني الاَخبار: ١٦١ / ٣.
٣) الكافي ٨: ٢٦٢ / ٤٩٧.
٤) أي نجرّب ونختبر.
٥) ترجمة الاِمام عليعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق ٢: ٢٢٤ / ٧٢٧.
٦) ترجمة الاِمام عليعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق ٢: ٢٢٤ / ٧٢٨ و٧٢٩.
١ - قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أول مايُسأل عنه العبد حبّنا أهل البيت »(١) .
٢ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه ، وعن جسده فيما أبلاه ، وعن ماله فيما أنفقه ومن أين كسبه ، وعن حبنا أهل البيت »(٢) .
٣ - وعنه صلىاللهعليهوآلهوسلم مثله ، وزاد في آخره: فقيل: يا رسول الله ، فما علامة حبكم ؟ فضرب بيده على منكب عليّ عليهالسلام (٣) .
____________________
١) عيون أخبار الرضاعليهالسلام / الصدوق ٢: ٦٢ / ٢٥٨ ، المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف.
٢) المعجم الكبير للطبراني ١١: ١٠٢ / ١١١٧٧ والمعجم الاوسط / الطبراني ٩: ٢٦٤ - ٢٦٥ / ٩٤٠٦ والمناقب / ابن المغازلي: ١٢٠ / ١٥٧ الخصال / الصدوق: ٢٥٣ / ١٢٥ ، جماعة المدرسين - قم وكنز العمال ٧: ٢١٢ ومجموعة ورّام ٢: ٧٥.
٣) المعجم الاوسط / الطبراني ٢: ٣٤٨ / ٢١٩١ ومناقب الخوارزمي: ٧٧ / ٥٩.
إنّ المضامين التي أشرنا إليها آنفاً والتي تمثل خلاصة النصوص الاِسلامية المعبّرة عن فضل حب أهل البيت عليهمالسلام وخصائصه وعلاماته ، تتجسّد أيضاً في أفرادهم ، ويتجلّى ذلك واضحاً بقراءة الاَحاديث الواردة في حب أمير المؤمنين عليهالسلام باعتباره علامة لحبّ أهل البيت عليهمالسلام .
روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: « لا يؤمن رجل حتى يحبُّ أهل بيتي لحبّي » فقال عمر بن الخطاب: وما علامة حبّ أهل بيتك ؟ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « هذا » وضرب بيده على عليّ(١) .
ومن هنا فإنّ التأكيد على محبة أمير المؤمنين علي عليهالسلام هو تأكيد على محبّة أهل البيت جميعاً وعلى التمسك بهم والاقتداء بآثارهم.
١ - قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « عنوان صحيفة المؤمن حبُّ علي »(٢) .
٢ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « براءة من النار حبُّ علي »(٣) .
٣ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « يا علي ، طوبى لمن أحبك وصدق فيك ، وويل لمن أبغضك وكذب فيك »(٤) .
____________________
١) الصواعق المحرقة: ٢٢٨ ونظم درر السمطين: ٢٣٣.
٢) تاريخ بغداد ٤: ٤١٠ والجامع الصغير / السيوطي ٢: ١٨٢ / ٥٦٣٣ ، دار الفكر - بيروت ط١ والمناقب / ابن المغازلي: ٢٤٣.
٣) المستدرك على الصحيحين ٢: ٢٤١.
٤) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٥ وقال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه وتاريخ
=
إنّ حبّنا لاَمير المؤمنين عليهالسلام لم يكن اعتباطياً ، بل هو من صميم العقيدة الاِسلامية ومن أهم مسلماتها ، وقد وردت نصوص الحديث وهي تحمل دلالات هذا المبدأ وأبعاده وأسبابه ، ولو تأملنا هذه النصوص لتبين لنا صدق هذه المحبّة وعمق أساسها وذلك للاَسباب التالية :
أمر الله تعالى رسوله الاَكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم بمحبة أمير المؤمنين عليهالسلام ، لذلك يتوجب علينا العمل بما أمر به تعالى رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
روى بريدة ، عن أبيه ، قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ الله أمرني أن أحبُّ أربعة ، وأخبرني أنه يحبهم » فقالوا: من هم يا رسول الله ؟ فقال: «علي منهم، علي منهم » يكررها ثلاثاً « وأبو ذرّ، والمقداد، وسلمان أمرني بحبّهم »(١) وتكرار النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لاسم أمير المؤمنين عليهالسلام ثلاث مرات يعرب عن مدى اهتمامه بهذا الاَمر ، والاَمر بمحبة أبي ذر والمقداد وسلمان هي فرع من محبة أمير المؤمنين عليهالسلام ؛ ذلك لاَنّ هؤلاء الصحابة رضياللهعنه كانوا المصداق الحقيقي لشيعة أمير المؤمنين عليهالسلام ومحبيه والسائرين على منهجه ، وسيرتهم تكشف عمق اخلاصهم وولائهم له.
____________________
=
بغداد ٩: ٧١ والبداية والنهاية ٧: ٣٥٥ ومجمع الزوائد ٩: ١٣٢ وذخائر العقبى: ٩١.
١) سنن الترمذي ٥: ٦٣٦ / ٣٧١٨ وسنن ابن ماجة ١: ٥٣ / ١٤٩ والمستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٠ ومسند أحمد ٥: ٣٥١ وأُسد الغابة ٥: ٢٥٣ والترجمة من تاريخ ابن عساكر ٢: ١٧٢ / ٦٦٦ والاصابة ٦: ١٣٤ والصواعق المحرقة: ١٢٢ باب ٩ وتاريخ الخلفاء / السيوطي: ١٨٧ وسير أعلام النبلاء ٢: ٦١ والرياض النضرة ٣: ١٨٨ ومناقب الخوارزمي: ٣٤.
والنصوص الدالة على هذا المعنى كثيرة جداً نكتفي منها بحديثين :
وهو يثبت أنّ أمير المؤمنين عليهالسلام أحبُّ الخلق إلى الله ، فقد روي بالاسناد عن أنس بن مالك ، قال: كان عند النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم طير أُهدي إليه ، فقال: « اللهمَّ ائتني بأحبّ الخلق إليك ليأكل معي هذا الطير » فجاء علي فرددته ، ثم جاء فرددته ، فدخل في الثالثة ، أو في الرابعة ، فقال له النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما حبسك عني ؟ » ، قال: « والذي بعثك بالحق نبياً ، إني لاَضرب الباب ثلاث مرات ويردني أنس ».
فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لِمَ رددته ؟ » قلت: كنت أحبُّ معه رجلاً من الاَنصار ، فتبسّم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم (١) .
وهو دليلنا الآخر على محبة الله تعالى ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم لاَمير المؤمنين
____________________
١) سنن الترمذي ٥: ٦٣٦ / ٣٧٢١ والخصائص / النسائي: ٥ وفضائل الصحابة / أحمد بن حنبل ٢: ٥٦٠ / ٩٤٥ والمستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٠ - ١٣٢ وصححه وقال: رواه عن أنس أكثر من ثلاثين نفساً ومصابيح السُنّة ٤: ١٧٣ / ٤٧٧٠ وأُسد الغابة ٤: ١١٠ - ١١١ وتأريخ الاِسلام ٣: ٦٣٣ والبداية والنهاية ٧: ٣٥٠ - ٣٥٣ وجامع الاُصول ٨: ٦٥٣/ ٦٤٩٤ وأخرجه ابن عساكر في ترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام ٢: ١٠٦ - ١٣٤ من أربعة وأربعين طريقاً والرياض النضرة ٣: ١١٤ - ١١٥ وذخائر العقبى: ٦١ وكفاية الطالب: ١٤٤ - ١٥٦ وأحصى ٨٦ رجلاً كلهم رووه عن أنس وفي مقتل الحسينعليهالسلام / الخوارزمي: ٤٦ ، قال: أخرج ابن مردويه هذا الحديث بمائة وعشرين اسناداً.
والتي توجب علينا محبته والتمسك بولايته والسير على هديه ، والراية هي راية خيبر ، إذ بعث بها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أبا بكر ، فعاد ولم يصنع شيئاً ، فأرسل بعده عمر ، فعاد ولم يفتح(١) ، وفي رواية الطبري: فعاد يجبّن أصحابه ويجبّنونه(٢) .
فقام رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فيهم ، فقال: « لاَعطين الراية غداً رجلاً يحبُّ الله ورسوله ، ويحبّه الله ورسوله ، كرار غير فرار » وفي رواية: « لا يخزيه الله أبداً ، ولا يرجع حتى يفتح عليه »(٣) .
١ - قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أحبَّ علياً فقد أحبني ، ومن أبغض علياً فقد أبغضني»(٤) .
____________________
١) الكامل في التاريخ ٢: ٢١٩ وأُسد الغابة ٤: ١٠٤ و ١٠٨ والخصائص / النسائي: ٥ والبداية والنهاية ٧: ٣٣٦ وحلية الاَولياء ١: ٦٢ ودلائل النبوة / البيهقي ٤: ٢٠٩ ، دار الكتب العلمية - بيروت ط١.
٢) تاريخ الطبري ٣: ٩٣ وصححه الحاكم في المستدرك ٣: ٣٧ ووافقه الذهبي.
٣) صحيح البخاري ٥: ٨٧ / ١٩٧ - ١٩٨ و ٢٧٩ / ٢٣١ باب فضائل الصحابة وصحيح مسلم ٤: ١٨٧١ / ٣٢ - ٣٤ وسنن الترمذي ٥: ٦٣٨ / ٣٧٢٤ وسنن ابن ماجة ١: ٤٣ / ١١٧ ومسند أحمد ١: ١٨٥ و ٥: ٣٥٨ والمستدرك على الصحيحين ٣: ٣٧ و١٠٩ ومصابيح السُنّة ٤: ٩٣ / ٤٦٠١ وخصائص النسائي: ٤ - ٨ ودلائل النبوة / البيهقي ٤: ٢٠٥ - ٢٠٦ والاستيعاب ٣: ٣٦ وفضائل الصحابة / أحمد بن حنبل ٢: ٥٨٤ / ٩٨٧ و ٩٨٨ وغيرهما وتاريخ الطبري ٣: ٩٣. والكامل في التاريخ ٢: ٢١٩. وأُسد الغابة ٤: ١٠٤ و١٠٨ والبداية والنهاية ٧: ٢٢٤ و٣٣٦. وحلية الاَولياء ١: ٦٢. وجامع الاُصول ٨: ٦٥٠ / ٦٤٩١ و٦٤٩٥ و٦٤٩٧ وغيرها كثير.
٤) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٣٠ ومناقب الخوارزمي: ٤١ والجامع الصغير ٢: ٥٥٤ /
=
٢ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أحبني فليحبُّ علياً ، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله عزَّ وجلّ ، ومن أبغض الله أدخله النار»(١) .
٣ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أحبّ علياً فقد أحبني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض علياً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله عزَّ وجلّ »(٢) .
وممّا تقدم تبين أن محبة أمير المؤمنين عليهالسلام تفضي إلى محبة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ومحبة الله سبحانه ، وذلك غاية ما يصبو إليه المؤمنون بالله ، ومنتهى أمل الآملين.
١ - روي بالاسناد عن أُمّ سلمة ، قالت: كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «لايحبُّ عليّاً منافق ، ولا يبغضه مؤمن »(٣) .
٢ - وقال أمير المؤمنين عليهالسلام : « والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إنّه لعهد النبي الاُمي إليَّ أنه لا يحبني إلاّ مؤمن ، ولا يبغضني إلاّ منافق »(٤) .
____________________
=
٨٣١٩ وأُسد الغابة ٤: ٣٨٣ والاصابة ٣: ٤٩٧ وذخائر العقبى: ٦٥ والرياض النضرة ١: ١٦٥ ومجمع الزوائد ٩: ١٠٨ و ١٢٩ وكنز العمال ٦: ١٥٤.
١) تاريخ بغداد ١٣: ٣٢.
٢) الرياض النضرة ٣: ١٢٢ والصواعق المحرقة: ١٢٣ والاستيعاب ٣: ١١٠٠.
٣) سنن الترمذي ٥: ٦٣٥ / ٣٧١٧ وجامع الاصول ٨: ٦٥٦ / ٦٤٩٩ ومجمع الزوائد ٩: ١٣٣.
٤) صحيح مسلم ١: ٨٦ / ١٣١ وسنن الترمذي ٥: ٦٤٣ / ٣٧٣٦ وسنن النسائي ٨: ١١٦ و١١٧ وسنن ابن ماجة ١: ٤٢ / ١١٤ ومصابيح السُنّة ٤: ١٧١ / ٤٧٦٣ وترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق ٢: ١٩٠ / ٦٨٢ - ٦٨٥ والبداية والنهاية ٧: ٥٤ والاصابة ٤: ٢٧١ ومسند أحمد ١: ٨٤ و ٩٥ و ١٢٨ وتأريخ الخلفاء: ١٨٧.
٣ - وقال عليهالسلام : « لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، ولو صببت الدنيا بجمّاتها على المنافق على أن يحبني ماأحبني ، وذلك أنه قضي فانقضى على لسان النبي الاَكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: ياعلي ، لا يبغضك مؤمن ، ولا يحبك منافق »(١) .
٤ - وعن أبي سعيد الخدري ، قال: (إنّا كنا نعرف المنافقين - نحن معاشر الاَنصار - ببغضهم علي بن أبي طالب)(٢) .
٥ - وعن أبي ذر ، قال: ما كنا نعرف المنافقين إلاّ بتكذيبهم الله ورسوله، والتخلف عن الصلاة ، والبغض لعلي(٣) .
وعليه فانحبّ أميرالمؤمنين علي عليهالسلام من علامات الايمان ، وليس أحد ممن آمن بالله تعالى ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ ويودُّ التحلي بصفات الايمان والتي من أهم مصاديقها مودّة من أمرالله تعالى بمودته ومحبة من يحبه الله ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
وبغض الاِمام علي عليهالسلام من علامات النفاق ، ولا يبغضه إلاّ منافق ، كما هو صريح الاحاديث المتقدمة ، وفي هذا المضمون قال أحمد بن حنبل :
____________________
١) نهج البلاغة: الحكمة (٤٥) ومجمع البيان ٣: ٥٣٢ والكافي ٨: ٢٢٤ / ٣٩٦ وروضة الواعظين/ الفتّال النيسابوري: ٣٢٣ ، منشورات الرضي - قم.
٢) سنن الترمذي ٥: ٦٣٥ / ٣٧١٧ واسعاف الراغبين: ١١٣ ونور الاَبصار: ٨٨ ومجمع الزوائد ٩: ١٣٢ والرياض النضرة ٣: ٢٤٢ والصواعق المحرقة: ١٢٢ وأخرجه الطبراني في المعجم الاَوسط ٢: ٣٩١ / ٢١٤٦ عن جابر.
٣) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٢٩ وقال: صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه وأسمى المناقب في تهذيب أسنى المطالب / الجزري الشافعي: ٥٧ ، مؤسسة المحمودي - بيروت وكنز العمال ١٣: ١٠٦.
(ولكن الحديث الذي ليس عليه لبس قول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا يحبك إلاّ مؤمن ، ولا يبغضك إلاّ منافق » ، وقال الله عزّ وجلّ ( إنَّ المنَافِقينَ في الدَّركِ الاَسفَلِ مِنَ النَّارِ ) (١) ، فمن أبغض علياً فهو في الدرك الاسفل من النار)(٢) .
____________________
١) سورة النساء: ٤ / ١٤٥.
٢) مختصر تاريخ مدينة دمشق / ابن منظور ١٧: ٣٧٥ ، دار الفكر - دمشق ط١.
فاطمة الزهراء عليهاالسلام من أهل البيت الذين وجبت علينا محبّتهم ، وحبّ الزهراء عليهاالسلام نابع من حب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لها ، فهي أُمّ أبيها وبضعته وروحه التي بين جنبيه ، وكان صلىاللهعليهوآلهوسلم يحبّها حباً لا يشبه محبة الآباء لبناتهم ، تلك المحبة التي تنبعث من العاطفة الاَبوية وحسب ، بل كان حبه صلىاللهعليهوآلهوسلم لها مشوباً بالاحترام والتبجيل ، وذلك لما تتمتع به الزهراء عليهاالسلام من الفضائل الفريدة والمواهب والمزايا الفذّة ، فهي ابنة الاِسلام الاُولى التي درجت وترعرعت في أحضان النبوة وشبّت في كنف الاِمامة ، وهي المعصومة من كل دنسٍ وعيب ، فكانت المرأة المثلى في الاِسلام ، والجديرة بالاقتداء بها في كل عصر ومصر.
وما كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يدع فرصة أو مناسبة تمرُّ إلاّ ونوّه بعظمة الزهراء عليهاالسلام وإظهار فضلها وبيان مكانتها عند الله تعالى ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذلك لكي يحثُّ المسلمين على مودتها والتقدير لها من بعده ؛ لاَنّها بقيته الباقية وأُمّ الاَئمة المعصومين وقادة المسلمين المحافظين على رسالة الاِسلام وسنة جدهم المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم .
وفيما يلي بعض ما جاء عن الرسول الاَكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وما حكي من سيرته صلىاللهعليهوآلهوسلم في محبة الزهراء عليهاالسلام :
١ - قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « فاطمة بضعة مني ، من أغضبها أغضبني»(١) .
____________________
١) صحيح البخاري ٥: ٩٢ / ٢٠٩ و١٥٠ / ٢٥٥ وصحيح مسلم ٤: ١٩٠٢ / ٩٣ - ٢٤٤٩.
=
٢ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « فاطمة بضعة مني ، يريبني ما أرابها ، ويؤذيني ماآذاها »(١) .
٣ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « يافاطمة، إنّ الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك »(٢) .
٤ - روي عن عائشة أنّها قالت: ما رأيت أحداً أشبه حديثاً وكلاماً برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من فاطمة ، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه وكان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها(٣) .
٥ - وروي أنّ عائشة سُئلت: أي الناس كان أحبُّ إلى رسول الله ؟ قالت: فاطمة قيل: ومن الرجال ؟ قالت: زوجها(٤) .
٦ - وعن بريدة ، قال: كان أحب النساء إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فاطمة ،
____________________
=
وسنن الترمذي ٥: ٦٩٨ / ٣٨٦٧ ومصابيح السُنّة ٤: ١٨٥ / ٤٧٩٩ والمستدرك للحاكم ٣: ١٥٨ ومجمع الزوائد ٩: ٢٠٣ والجامع الصغير ٢: ٢٠٨ / ٥٨٣٣.
١) صحيح البخاري ٧: ٦٥ - ٦٦ / ١٥٩ كتاب النكاح ونحوه في مسند أحمد ٤: ٥ و ٣٢٣ و ٣٢٨ و٣٣٢ وسنن الترمذي ٥: ٦٩٨ / ٣٨٦٩ ومستدرك الحاكم ٣: ١٥٤ و١٥٨ و١٥٩. وخصائص النسائي: ٣٦ وحلية الاَولياء ٢: ٢٤٠ وكنز العمال ٦: ٢١٩ و٨: ٣١٥ والصواعق المحرقة: ١٩٠ والاِمامة والسياسة ١: ١٤.
٢) مستدرك الحاكم ٣: ٥١٣ وأُسد الغابة ٧: ٢٢٤ والاصابة ٨: ١٥٩ والصواعق المحرقة: ١٧٥ باب ١١ فصل ١ المقصد الثالث والخصائص الكبرى ٢: ٢٦٥ وتهذيب التهذيب ١٢: ٤٤١ وكنز العمال ٦: ٢١٩ و ٧: ١١١ وذخائر العقبى: ٣٩.
٣) سنن الترمذي ٥: ٧٠٠ / ٣٨٧٢ وفضائل الصحابة / النسائي: ٦٨.
٤) سنن الترمذي ٥: ٧٠١/ ٣٨٧٤ ومستدرك الحاكم ٣: ١٥٧ وصححه وأُسد الغابة ٧: ٢٢٣ والبداية والنهاية ٧: ٢٥٤.
ومن الرجال علي(١) .
ورغم ثبوت محبّة الزهراء عليهاالسلام قرآناً وسُنّةً كما تقدم ، فإنّها تعرضت عقيب وفاة أبيها صلىاللهعليهوآلهوسلم لاَبشع أنواع التعسف والظلم ، فقد سلبوها ميراث أبيها ، وأغضبوها وآذوها حتى اضطرت إلى المواجهة والاحتجاج بما جاء على لسان أبيها المصطفى عليهاالسلام من فرض محبتها ومودتها على المسلمين حيث قالت: « نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ؟ » قالا: نعم..(٢) .
وكأنّ القوم لم يسمعوا بذلك ، بل لم يسمعوا أن الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها !! وأنّ الله تعالى قال: ( إنَّ الَّذينَ يُؤذُونَ اللهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ في الدُّنيَا والآخِرَةِ وأعدَّ لَهُم عَذَاباً مُّهِيناً ) (٣) فباءوا بهذا الخطر العظيم حينما ودّعت الزهراء عليهاالسلام هذه الحياة وهي غضبى عليهم غير راضية عنهم.
____________________
١) سنن الترمذي ٥: ٦٩٨ / ٣٨٦٨ ومستدرك الحاكم وصححه.
٢) الاِمامة والسياسة / ابن قتيبة ١: ١٣ - ١٤ ، مؤسسة الوفاء - بيروت.
٣) سورة الاحزاب: ٣٣ / ٥٧.
الحسن والحسين عليهماالسلام سبطا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وريحانتاه ، وسيدا شباب أهل الجنة ، ومن أهل الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، وقد ثبتت محبتهما بنصّ القرآن الكريم في آية المودة المتقدمة في أول هذا الفصل ، ونضيف هنا طرفاً من الحديث الصحيح الوارد في محبة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لهما وتأكيده على حبّهما والتمسك بهما ، وذلك لاَنهما يمثلان الخطّ الرسالي الصحيح الذي يدعو إلى التمسك بمبادىَ الاِسلام الاَصيل ومنهج الكتاب الكريم والسُنّة المحمدية الغرّاء قولاً وعملاً.
وفيما يلي بعض ما ورد في محبة الحسنين عليهماالسلام من صحيح الاَثر ومتواتر الخبر :
١ - قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « الحسن والحسين ابناي، من أحبهما أحبني، ومن أحبني أحبّه الله ، ومن أحبّه الله أدخله الجنة ، ومن أبغضهما أبغضني ، ومن أبغضني أبغضه الله ، ومن أبغضه الله أدخله النار»(١) .
٢ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « هذان ابناي ، الحسن والحسين ، اللهمّ إني أُحبّهما ، اللهمّ فأحبهما وأحبّ من يُحبّهما »(٢) .
____________________
١) المستدرك على الصحيحين للحاكم ٣: ١٦٦ وقال: صحيح على شرط الشيخين ومسند أحمد ٢: ٢٨٨ وسنن الترمذي ٥: ٦٥٦ - ٦٦٠ وكنز العمال ١٣: ١٠٥ ومجمع الزوائد ٩: ١٧٩ و١٨١ الصواعق المحرقة: ١٩١ - ١٩٢ باب ١١ ذخائر العقبى: ١٢٣.
٢) صحيح البخاري ٥: ١٠٠ - ١٠١ / ٢٣٥ وسنن الترمذي ٥: ٦٥٦ و٣٧٦٩ و٣٧٧٢ ومسند
=
وسنن الترمذي ٥: ٦٩٨ / ٣٨٦٧ ومصابيح السُنّة ٤: ١٨٥ / ٤٧٩٩ والمستدرك للحاكم ٣: ١٥٨ ومجمع الزوائد ٩: ٢٠٣ والجامع الصغير ٢: ٢٠٨ / ٥٨٣٣.
٣ - وفي حديث أبي هريرة ، قال: سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول في الحسن والحسين: « من أحبني فليحبّ هذين »(١) .
٤ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ذروهما بأبي وأمي ، من أحبني فليحبّ هذين »(٢) .
٥ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : وقد اعتنق الحسن عليهالسلام : « اللهمَّ إنّي أحبه فأحبه وأحب من يحبه »(٣) .
٦ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « حسين مني وأنا من حسين ، أحبّ الله من أحبّ حسيناً ، حسين سبط من الاَسباط »(٤) .
٧ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « الحسن والحسين ريحانتاي »(٥) .
٨ - وعن أبي أيوب الانصاري ، قال: دخلت على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم
____________________
=
أحمد ٢: ٤٤٦ و٥: ٣٦٩ ومسند الطيالسي ١٠: ٣٣٢ ، دار المعرفة - بيروت والتاريخ الكبير / البخاري ٢: ٢٨٦ ومجمع الزوائد ٩: ١٨٠ وكنز العمال ٦: ٢٢٠ وأُسد الغابة ٢: ١٢.
١) مسند الطيالسي ١٠: ٣٢٧ وتاريخ الاِسلام / الذهبي ٥: ١٠٠.
٢) حلية الاَولياء ٨: ٣٠٥ والمعجم الكبير ٣: ٤٠ / ٢٦٤٤ وذخائر العقبى: ١٢٣ وكنز العمال ١٣: ١٠٧ والجامع الصغير ٢: ٣٢٨ والاصابة ١: ٣٢٩ ومجمع الزوائد ٩: ١٧٩.
٣) سنن الترمذي ٥: ٦٤١ و٦٤٢.
٤) التاريخ الكبير / البخاري ٨: ٤١٥ / ٣٥٣٦ وسنن الترمذي ٥: ٦٥٨ / ٣٧٧٥ وسنن ابن ماجة ١: ١٥١ / ١٤٤ ومسند أحمد ٤: ١٧٢ والمستدرك / الحاكم ٣: ١٧٧ ومصابيح السُنّة ٤: ١٩٥ / ٤٨٣٣ وأُسد الغابة ٢: ١٩ والجامع الصغير ١: ٥٧٥ / ٣٧٢٧ وجامع الاصول ١٠: ٢١ وغيرها كثير.
٥) صحيح البخاري ٥: ١٠٢ / ٢٤١ و ٨: ١١ / ٢٣ كتاب الاَدب وسنن الترمذي ٥: ٦٥٧ / ٣٧٧٠ ومسند أحمد ٢: ٨٥ و ٩٣ و ١١٤ و ١٥٣ ومسند الطيالسي ٨: ٢٦٠ - ٢٦١ وحلية الاَولياء ٥: ٧٠ وفتح الباري ٨: ١٠٠ وأُسد الغابة ٢: ٢٠.
والحسن والحسين يلعبان بين يديه ، فقلت: يا رسول الله أتحبهما ؟ فقال: « وكيف لا أُحبهما وهما ريحانتاي من الدنيا أشمّهما »(١) .
وممّا تقدم يتبين أنّ حب الحسن والحسين عليهماالسلام واجب على كل مسلم ومسلمة لقوله تعالى: ( لقَد كانَ لَكُم في رَسُولِ اللهِ أُسوَةٌ حَسَنةٌ ) (٢) ، وهذا الحبّ جزء لا يتجزأ من مودة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وأمير المؤمنين والزهراء عليهماالسلام والذي يقتضي الرضوان ونيل أرفع الدرجات ، وقد روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه أخذ بيد الحسن والحسين فقال: « من أحبني وأحبّ هذين وأباهما وأُمهما كان معي في درجتي يوم القيامة »(٣) .
على أن المراد من إيجاب مودّة أهل البيت عليهمالسلام ليس مجرد المحبة وحسب ، بل العمل بما تقتضيه من الاقتداء بهديهم والتولّي لهم والبراءة من أعدائهم ، قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من سره أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي ، فليوالِ علياً من بعدي ، وليوالِ وليّه ، وليقتدِ بأهل بيتي من بعدي ، فإنّهم عترتي ، خلقوا من طينتي ، ورزقوا فهمي وعلمي ، فويل للمكذبين بفضلهم من أُمتي ، القاطعين بهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي »(٤) .
____________________
١) كنز العمال ٦: ٢٢٢ و٧: ١١٠ ومجمع الزوائد ٩: ١٨١ وبنحوه في سنن الترمذي ٥: ٦٥٧ / ٣٧٧٠ و٣٧٧٢.
٢) سورة الاحزاب: ٣٣ / ٢١.
٣) صحيح الترمذي ٥: ٦٤١ - ٦٤٢ / ٣٧٣٣ ومسند أحمد ١: ٧٧ جامع الاصول ٩: ١٥٧ / ٦٧٠٦.
٤) شرح ابن أبي الحديد ٩: ١٧٠ / ١٢ وحلية الاَولياء ١: ٨٦ وكنز العمال ١٢: ١٠٣ / ٢٤١٩٨.
=
المبحث الثالث
حب أهل البيت عليهمالسلام في الشعر العربي
لا يخفى أن بعض الشعر مستودع للحكمة والفصاحة فضلاً عن أنّه ديوان حافل بالاَحداث والوقائع التاريخية المهمة.
وقد سجّل شعراء الاِسلام منذ عهد الرعيل الاَول وإلى اليوم آيات الولاء والحبّ التي تكنّها قلوبهم وضمائرهم وتعتلج في صدورهم تجاه النبي المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم وعترته الاَطهار عليهمالسلام ، مؤكدين أصالة هذا المبدأ العقائدي وإلهيته ومبينين أهم آثاره ومعطياته.
ولا ريب أنّ أول شعراء الاِسلام شيخ البطحاء وعمّ سيد الاَنبياء أبا طالب رضياللهعنه كان في طليعة الشعراء الذين أكّدوا إلهية هذا الحبّ وأصالته حيث قال :
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمداً |
نبياً كموسى خطّ في أول الكتبِ |
|
وأن عليه في العباد محبّةً |
ولا شكّ فيمن خصّه الله بالحبِّ(١) |
____________________
=
وكفاية الطالب: ٢١٤ ومجمع الزوائد ٩: ١٠٨ وترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق ٢: ٩٥.
١) السيرة النبوية / ابن هشام ١: ٣٧٧ مطبعة البابي - مصر والبداية والنهاية ٣: ٨٤ وخزانة
=
ومن هنا جاء اعترافه بالنبوة وإقراره بالرسالة ، وصدق ولائه ونصرته وعمق محبّته التي تصل إلى حدّ الجود بالنفس وهو أقصى غاية الجود ، وقد عبّر عن ذلك بقوله :
لعمري لقد كُلِّفتُ وجداً بأحمدٍ |
وأحببته حُبّ الحبيب المواصلِ |
|
وَجُدتُ بنفسي دونه وحميته |
ودارأت عنه بالذرى والكلاكلِ |
|
كذبتم وبيت الله نُسلِمُ أحمداً |
ولمّا نطاعن دونه ونقاتلِ |
|
ونُسلمه حتى نُصرّعَ حوله |
ونَذْهَل عن أبنائنا والحلائلِ(١) |
إنّ شعر الولاء والحبّ لعترة النبي المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم يعتبر من الاغراض السامية الخالدة التي تؤكّد عمق الولاء لرسالة الاِسلام وشدّة الارتباط بالقادة الرساليين ، وتكشف عن إلتزام الشاعر بواحدٍ من أهم المبادىء الاِسلامية ، ألا وهو مودّة ذوي القربى أهل بيت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، التي تضمن سعادة الدارين.
وفيما يلي بعض النماذج المختارة التي تؤكّد الولاء والمحبّة لاَهل البيت عليهمالسلام مرتبة وفقاً لوفيات الشعراء :
____________________
=
الاَدب / البغدادي ١: ٢٦١ ، دار صادر - بيروت وشرح ابن أبي الحديد ١٤: ٧٣ والفصول المختارة: ٢٣٠.
١) ديوان شيخ الاَباطح أبي طالب: ٣ - ١٢ ، مكتبة نينوى الحديثة - طهران والسيرة النبوية / ابن هشام ١: ٢٩١ - ٢٩٩ والسنن الكبرى ٣: ٣٥٢ ودلائل النبوة / البيهقي ٦: ١٤١ والخصائص الكبرى ١: ١٤٦ وأعلام النبوة / الماوردي: ١٧٢ دار الكتاب العربي - بيروت وشرح ابن أبي الحديد ١٤: ٧٩ وخزانة الاَدب ١: ٢٥٢ - ٢٦١.
١ - حرب بن المنذر بن الجارود (من أعلام القرن الاَول) :
قال في حبّهم عليهمالسلام :
فحسبي من الدنيا كَفافٌ يُقيمني |
وأثواب كَتّانٍ أزور بها قبري |
|
وحبّي ذوي قربى النبي محمد |
فما سُؤلنا إلاّ المودّة من أجرِ(١) |
٢ - الفرزدق، همام بن غالب التميمي الدارمي، أبو فراس (ت / ١١٠ ه-) :
قال في مطلع قصيدته الميمية التي أنشدها بمحضر هشام بن عبدالملك مادحاً الاِمام زين العابدين عليهالسلام :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته |
والبيتُ يعرفه والحلُّ والحرمُ |
إلى أن قال :
مشتقة من رسول الله نبعته |
طابت مغارسُهُ والخِيمُ والشيمُ |
|
من معشرٍ حُبّهم دينٌ ، وبغضهمُ |
كفرٌ ، وقربهم منجىً ومعتصمُ |
|
مقدّم بعد ذكر الله ذكرهمُ |
في كلِّ بدءٍ ومختوم به الكلمُ |
|
يستدفع الشرّ والبلوى بحبّهم |
ويُستربُّ به الاِحسان والنِّعمُ(٢) |
٣ - الكميت بن زيد الاَسدي (ت / ١٢٦ ه-) :
قال في مطلع قصيدته البائية من (الهاشميات) :
____________________
١) البيان والتبيين / الجاحظ ٣: ٢٠٥ ، دار ومكتبة الهلال ط١.
٢) ديوان الفرزدق ٢: ١٧٨ - ١٨١ ، دار صادر - بيروت وشرح الديوان / ايليا حاوي ٢: ٣٥٣ ورجال الكشي: ١٣ / ٢٠٧ وحلية الاَولياء ٣: ١٣٩.
طربتُ وما شوقاً إلى البيض أطربُ |
ولا لعباً منّي وذو الشوق يلعبُ |
إلى أن قال :
ولكن إلى النفر البيض الذين بحُبّهم |
إلى الله فيما نالني أتقرّبُ |
|
خفضتُ لهم منّي جَنَاحي مودّةٍ |
إلى كنفٍ عطفاه أهلٌ ومرحبُ |
|
فقل للذي في ظلِّ عمياء جونةٍ(١) |
ترى الجور عدلاً أين لا أين تذهبُ |
|
بأيِّ كتابٍ أم بأية سُنّةٍ |
ترى حبّهم عاراً عليَّ وتحسبُ |
|
فمالي إلاّ آل أحمد شيعة |
ومالي إلاّ مشعب الحق مشعبُ |
|
ومَن غيرهم أرضى لنفسي شيعة |
ومن بعدهم لا مَن أُجلّ وأرجبُ(٢) |
|
فإنّي عن الاَمر الذي تكرهونه |
بقولي وفعلي ما استطعت لاَجنبُ |
|
يشيرون بالاَيدي إليَّ وقولهم |
ألا خاب هذا والمشيرون أخيبُ |
|
فطائفة قد كفّرتني بحبّكم |
وطائفة قالوا مسيء ومذنبُ |
|
فما ساءني تكفير هاتيك منهم |
ولا عيب هاتيك التي هي أعيبُ |
|
وجدنا لكم في آل حاميم آية |
تأوّلها منّا تقيّ ومُعربُ(٣) |
|
أُناسٌ بهم عزّت قريش فأصبحوا |
وفيهم خِباء المكرمات المطنّبُ(٤) |
____________________
١) الجونة: السوداء ، أي الفتنة المظلمة.
٢) أرجب: أهاب وأعظّم.
٣) الآية هي آية المودة، والتقي: الذي يتقي الخوض في الامور ويلتزم السكوت ، والمعرب: المبين.
٤) الهاشميات / الكميت: ٢٥ - ٣٨ ، مؤسسة الاَعلمي - بيروت.
٤ - السيد الحميري (ت / ١٧٣ ه-) :
قال في ولاء أهل البيت عليهمالسلام وحبّهم :
إنّا ندين بحبّ آل محمدٍ |
ديناً ومن يحبّهم يستوجبِ |
|
منّا المودّة والولاء ومن يُرد |
بدلاً بآل محمد لا يُحببِ |
|
ومتى يمت يرد الجحيم ولا يرد |
حوض الرسول وإن يرده يُضربِ(١) |
وقال أيضاً :
تتمّ صلاتي بالصلاة عليهم |
وليست صلاتي بعد أن أتشهّدا |
|
بكاملةٍ إن لم أصلِّ عليهم |
وأدعو لهم رباً كريماً ممجّدا |
|
بذلتُ لهم ودّي ونصحي ونصرتي |
مدى الدهر ما سُمّيت يا صاح سيدا |
|
وإنّ امرءاً يلحى(٢) على صدق ودّهم |
أحقُّ وأولى فيهم أن يُفنّدا(٣) |
وقال مبيّناً أحد آثار مودّة أمير المؤمنين عليهالسلام :
أحبُّ الذي من مات من أهل ودّه |
تلقّاه بالبشرى لدى الموت يضحكُ |
|
ومن مات يهوى غيره من عدوه |
فليس له إلاّ إلى النار مسلكُ |
|
أبا حسن إنّي بفضلك عارفٌ |
وإنّي بحبلٍ من هواك لمُمسكُ |
____________________
١) الغدير في الكتاب والسُنّة والاَدب / العلاّمة الاَميني ٢: ٢١٣ - ٢١٤ ، دار الكتاب العربي - بيروت ط٥.
٢) أي يلوم ويعذل ، أو يقبّح ويلعن.
٣) الغدير ٢: ٢١٥.
وأنت وصيّ المصطفى وابن عمّه |
فإنّا نعادي مبغضيك ونتركُ |
|
مواليك ناجٍ مؤمن بيّن الهدى |
وقاليك معروف الضلالة مشركُ(١) |
٥ - سفيان بن مصعب العبدي ، (من أعلام القرن الثاني) :
قال مؤكداً ولاء أهل البيت عليهمالسلام :
آل النبي محمدٍ |
أهل الفضائل والمناقبْ |
|
المرشدون من العمى |
والمنقذون من اللوازبْ |
|
الصادقون الناطقون |
السابقون إلى الرغائب |
|
فولاهمُ فرضٌ من الر |
حمن في القرآن واجب |
|
وهم الصراط فمستقيم |
فوقه ناجٍ وناكب(٢) |
وقال أيضاً :
يا سادتي يا بني علي |
يا آل طه وآل صادِ |
|
من ذا يوازيكم وأنتم |
خلائف الله في البلادِ |
|
أنتم نجوم الهدى اللواتي |
يهدي بها الله كلّ هادِ |
|
لازلت في حبّكم أُوالي |
عمري وفي بغضكم أُعادي |
|
وما تزوّدت غير حبّي |
إياكم وهو خير زادِ |
____________________
١) أمالي الطوسي ١: ٤٨ ورجال الكشي: ٢٨٧ / ٥٠٦ وكشف الغمة ١: ١٤١.
٢) الغدير ٢: ٣٠٥.
وذاك ذخري الذي عليه |
في عرصة الحشر اعتمادي |
|
ولاكم والبراء ممّن |
يشنأكم اعتقادي(١) |
٦ - أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي (ت / ٢٠٤ ه-) :
قال في مودة أهل البيت عليهمالسلام :
يا آل بيت رسول الله حُبّكم |
فرضٌ من الله في القرآن أنزلهُ |
|
يكفيكم من عظيم الفخر أنكم |
من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له(٢) |
وقال :
قالوا ترفّضت قلت كلا |
ما الرفض ديني ولا اعتقادي |
|
لكن توليت غير شكّ |
خير إمامٍ وخير هادِ |
|
إن كان حبّ الولي رفضاً |
فإنّ رفضي إلى العبادِ(٣) |
وقال أيضاً :
يا راكباً قف بالمحصّب من منى |
واهتف بقاعد خيفها والناهضِ |
|
سَحَراً إذا فاض الحجيج إلى منى |
فيضاً كمُلتطم الفرات الفائضِ |
|
إن كان رفضاً حبّ آل محمد |
فليشهد الثقلان أنّي رافضي(٤) |
____________________
١) الغدير ٢: ٣١٧.
٢) ديوان الشافعي: ٧٢ ، دار إحياء التراث العربي - بيروت.
٣) ديوان الشافعي: ٣٥.
٤) ديوان الشافعي: ٥٥.
وقال :
لو فتّشوا قلبي لاَلفوا به |
سطرين قد خطّا بلا كاتبِ |
|
العدل والتوحيد في جانبٍ |
وحبّ أهل البيت في جانبِ(١) |
وقال :
لئن كان ذنبي حبّ آل محمد |
فذلك ذنبٌ لست عنه أتوبُ |
|
هم شفعائي يوم حشري وموقفي |
وبغضهم للشافعيّ ذنوبُ(٢) |
٧ - دعبل بن علي الخزاعي (ت / ٢٤٦ ه-) :
قال في تائيته المشهورة التي أنشدها بمحضر الاِمام علي بن موسى الرضا عليهالسلام ومطلعها :
تجاوبن بالاِرنان والزفراتِ |
نوائحُ عُجم اللفظ والنطقاتِ |
إلى أن قال :
فيا وارثي علم النبي وآله |
عليكم سلام دائم النفحاتِ |
|
ملامكَ في آل النبي فإنّهم |
أحبّاي ما عاشوا وأهل ثقاتِ |
|
تخيرتهم رشداً لاَمري فإنّهم |
على كلِّ حالٍ خيرة الخيراتِ |
|
نبذتُ إليهم بالمودة صادقاً |
وسلّمت نفسي طائعاً لولاتي |
|
فياربّ زدني من يقيني بصيرةً |
وزد حبّهم ياربِّ في حسناتي |
____________________
١) ينابيع المودة ٣: ٣٥١.
٢) ينابيع المودة ٣: ٤٨ - ٤٩ / ٦٤.
أحبّ قصيّ الرحم من أجل حبّكم |
وأهجر فيكم أُسرتي وبناتي |
|
فيانفس طيبي ثمّ يا نفس أبشري |
فغير بعيدٍ كلّ ما هو آتِ |
|
فإنّي من الرحمن أرجو بحبّهم |
حياةً لدى الفردوس غير بتاتِ(١) |
وقال في غيرها :
في حُبّ آل المصطفى ووصيّه |
شغلٌ عن اللذّات والقِيناتِ(٢) |
|
إنّ النشيد(٣) بحبّ آل محمد |
أزكى وأنفع لي من القُنياتِ(٤) |
|
فاحشُ القصيدَ بهم وفرّغ |
فيهم قلباً حشوتَ هواهُ باللذاتِ |
|
واقطع حِبالة من يُريد سواهمُ |
في حُبّه تَحلُل بدار نجاةِ(٥) |
٨ - أبو الفتح كشاجم (ت / ٣٦٠ ه-) :
قال في حبِّ أهل البيت عليهمالسلام :
طهرتم فكنتم مديح المديح |
وكان سواكم هجاء الهجاء |
|
قضيتُ بحبّكم ما عليَّ |
إذا ما دعيتُ لفصل القضاء |
|
وأيقنتُ أنّ ذنوبي به |
تساقطُ عنّي سُقوطَ الهباءِ |
____________________
١) ديوان دعبل: ١٤١ - ١٤٦ ، دار الكتاب اللبناني - بيروت.
٢) القِينات: جمع قينة ، وهي الاَمة المغنية.
٣) في لسان الميزان: اليسير.
٤) القُنيات: ما اكتسب من مال ونحوه.
٥) ديوان دعبل: ١٤٦ ولسان الميزان ٢: ٤٣١.
فصلّى عليكم إله الورى |
صلاةً توازي نجوم السماءِ(١) |
وقال في حبِّ أمير المؤمنين عليهالسلام :
حبّ الوصيّ مبرّة وصلهْ |
وطهارة بالاَصل مكتفلهْ |
|
والناس عالمهم يدين بهْ |
حبّاً ويجهل حقّه الجهلهْ(٢) |
٩ - الناشىء الصغير (ت / ٣٦٥ ه-) :
قال في حبِّهم عليهمالسلام :
يا آل ياسين من يحبّكم |
بغير شكّ لنفسه نصحا |
|
أنتم رشاد من الضلال كما |
كلّ فسادٍ بحبّكم صلحا |
|
وكلّ مستحسن لغيركم |
إن قيس يوماً بفضلكم قبحا(٣) |
وقال أيضاً :
بآل محمد عُرِفَ الصوابُ |
وفي أبياتهم نزل الكتابُ |
|
محبّتهم صراطٌ مستقيم |
ٌولكن في مسالكه عقابُ |
|
همُ النبأ العظيم وفُلك نُوحٍ |
وباب الله وانقطع الخِطابُ(٤) |
____________________
١) الغدير ٤: ١٦.
٢) الغدير ٤: ١٧.
٣) الغدير ٤: ٢٤.
٤) الغدير ٤: ٢٥.
١٠ - ابن حمّاد العبدي (من أعلام القرن الرابع) :
قال في حبِّهم عليهمالسلام :
آل النبي محمد خير الورى |
وأجلّهم عند الاِله مكانا |
|
قومٌ إذا أصفى هواهم مؤمنٌ |
يُعطى غداً ممّا يخاف أمانا |
|
قومٌ يطيع الله طائع أمرهم |
وإذا عصاه فقد عصى الرحمانا |
|
وهمُ الصراط المستقيم وحبّهم |
يوم المعاد يُثقل الميزانا |
|
وتوالت الاَخبار أنّ محمداً |
بولائهم وبحفظهم أوصانا |
|
وأتى القرآن بفرض طاعتهم على |
كلِّ البرية فاسمع القرآنا(١) |
وقال :
وإن يك حبّ أهل البيت ذنبي |
فلست بمبتغٍ عنه منابا |
|
أُحبّهم وأمنحهم مديحاً |
وأمنح من يسبّهم سبابا |
|
ولم أمدحهم قطّ اكتسابا |
ًولكنّي مدحتهم ارتغابا(٢) |
١١ - الصاحب بن عبّاد (ت / ٣٨٥ ه-) :
قال في حبِّهم عليهمالسلام :
حبّي محضٌ لبني المصطفى |
بذاك قد يشهد اضماري |
____________________
١) الغدير ٤: ١٤٥.
٢) الغدير ٤: ١٧٠.
ولامني جاري في حبّهم |
فقلت بعداً لك من جارِ |
|
والله مالي عملٌ صالحٌ |
أرجو به العتق من النارِ |
|
إلاّ موالاة بني المصطفى |
آل الرسولِ الخالقِ الباري(١) |
وقال :
إذا تراضى مديحي آل ياسينا |
وجدتُ في القلب أحزاناً أفانينا |
|
يا طبعُ فِضْ بمديح الطاهرين ولا |
تَغِضْ وجدّد ثناءاً للوصيّينا |
|
الحمدُ لله لمّا أن هديتُ إلى |
محبَّة السادة الغرّ الميامينا |
|
حبّ النبي وأهل البيت معتمدي |
إذا الخطوب أساءت رأيها فينا(٢) |
وقال في حبِّ أمير المؤمنين عليهالسلام :
إنّ المحبّة للوصيّ فريضة |
أعني أمير المؤمنين عليا |
|
قد كلّف الله البرية كلّها |
واختاره للمؤمنين وليا(٣) |
وقال :
بحبّ عليّ تزولُ الشكوك |
وتسمو النفوس ويعلو النِّجار |
|
فأين رأيت محبّاً له |
فثمّ الزكاء وثمّ الفخار |
|
وأين رأيت عدواً له |
ففي أصله نسبٌ مستعار |
____________________
١) ديوان الصاحب بن عبّاد: ٢١٩ ، مؤسسة القائمعليهالسلام - قم.
٢) ديوان الصاحب: ١٠٦.
٣) ديوان الصاحب: ٣٠١.
فلا تعذلوه على فعله |
فحيطان دار أبيه قصار(١) |
وقال :
حبّ علي بن أبي طالب |
هو الذي يهدي إلى الجَنّهْ |
|
والنار تصلى لذوي بغضه |
فمالهم من دونها جُنّهْ |
|
والحمدُ لله على أنني |
ممّن أوالي وله المِنّهْ(٢) |
وقال :
حبّ الوصيّ علامةٌ |
في الناس من أقوى الشهودِ |
|
فإذا رأيت مُحبّه |
فاحكم على كرمٍ وجودِ(٣) |
١٢- مهيار الديلمي (ت ٤٢٨ ه-) :
قال في حبِّهم عليهمالسلام :
لهف نفسي يا آل طه عليكم |
لهفةً كسبها جوىً وخبال |
|
وقليلٌ لكم ضلوعي تهت- |
-زّ مع الوجد أو دموعي تزالُ |
|
كان هذا كذا وودّي لكم حس- |
-ب ومالي في الدين بعد اتصالُ |
|
وطروسي(٤) سودٌ فكيف بي الآ |
ن ومنكم بياضها والصِّقالُ |
____________________
١) ديوان الصاحب: ٩٦.
٢) ديوان الصاحب: ٩٧.
٣) ديوان الصاحب: ٩٦.
٤) الطُروس: جمع طِرس ، وهو الصحيفة أو الكتاب ، والشاعر يريد كتاب أعماله.
حبّكم فَكّ أسري من الشر |
ك وفي منكبي له أغلالُ |
|
كم تزمّلت بالمذلّة حتّى |
قمتُ في ثوب عزّكم اختالُ(١) |
وقال أيضاً :
وفيكم ودادي وديني معا |
وإن كان في فارس مولدي |
|
خصمتُ ضلالي بكم فاهتديت |
ولولاكم لم أكن أهتدي |
|
وجرّدتموني وقد كنتُ في |
يد الشرك كالصارم المغمدِ(٢) |
١٣- الشيخ العارف محيي الدين بن عربي (ت / ٦٣٨ ه-) :
قال في حبِّهم عليهمالسلام :
فلا تعدل بأهل البيت خلقاً |
فأهل البيت هم أهل الشهادهْ |
|
فبغضهم من الاِنسان خسرٌ |
حقيقيّ وحُبّهم عبادهْ(٣) |
١٤ - كمال الدين الشافعي (ت / ٦٥٢ ه-) :
قال في حبِّهم عليهمالسلام وتعداد فضائلهم :
هم العروة الوثقى لمعتصم بها |
مناقبهم جاءت بوحيٍ وإنزالِ |
|
وهم أهل بيت المصطفى فودادهم |
علىالناس مفروضٌ بحكمٍ واسجالِ(٤) |
____________________
١) الغدير ٤: ٢٣٦.
٢) الغدير ٤: ٢٤٢.
٣) نور الاَبصار: ١١٦ وينابيع المودة ٣: ١٧٤.
٤) الغدير ٥: ٤١٦.
وقال :
يا ربِّ بالخمسة أهل العبا |
ذوي الهدى والعمل الصالحِ |
|
ومن هم سفن نجاة ومن |
والاهمُ ذو متجرٍ رابحِ |
|
فانني أرجو بحبّي لهم |
تجاوزاً عن ذنبي الفادحِ |
|
فهم لمن والاهمُ جُنّةٌ |
تنجيه من طائره البارحِ(١) |
١٥ - صفي الدين الحلي (ت ٧٥٢ ه-) :
قال في حبِّهم عليهمالسلام :
بكم يهتدي يا بني الهدى |
وليّ إلى حبِّكم ينتسب |
|
به يكسب الاَجر في بَعثِهِ |
ويخلصُ من هول ما يكتسب(٢) |
وقال :
يا عترة المختار يامن بهم |
يفوز عبدٌ يتولاهمُ |
|
أُعرفُ في الحشر بحبّي لكم |
إذ يُعرَف الناس بسيماهمُ(٣) |
وقال :
يا عترة المختار يامن بهم |
أرجو نجاتي من عذابٍ أليم |
|
حديث حبّي لكم سائرٌ |
وسرّ ودّي في هواكم مقيم |
____________________
١) الغدير ٥: ٤١٧.
٢) ديوان صفي الدين الحلي: ٨٦.
٣) ديوان صفي الدين الحلي: ٨٧.
قد فزتُ كلّ الفوز إذ لم يزل |
صراط ديني بكم مستقيم |
|
فمن أتى الله بعرفانكم |
فقد أتى الله بقلب سليم(١) |
وقال :
توالَ علياً وأبناءه |
تفُز في المعاد وأهواله |
|
إمامٌ له عقد يوم الغدير |
بنصّ النبي وأقواله |
|
له في التشهّد بعد الصلاة |
مقامٌ يخبر عن حاله |
|
فهل بعد ذكر إله السماء |
وذكر النبي سوى آله(٢) |
١٦ - شمس الدين المالكي (ت / ٧٨٠ ه-) :
قال في حبّ الحسنين عليهماالسلام :
هما قُرّتا عين الرسول وسيّدا |
شباب الورى في جنّة وتخلّدِ |
|
وقال هما ريحانتاي أُحبُّ من |
أحبّهما، فاصدقهما الحبّ تسعدِ(٣) |
١٧ - شهاب الدين أحمد بن أحمد الحلواني الشافعي (ت / ١٣٠٨ ه-) :
له قصيدة يقول فيها :
بنفسي أهل البيت من مثلهم علاً |
وهم في عيون المجد نورٌ قد افترّا |
|
ومن ذا يساوي أو يقارب بَضعة |
لهم تنتهي العلياء والرتبة الكبرى |
____________________
١) ديوان صفي الدين الحلي: ٨٧.
٢) ديوان صفي الدين الحلي: ٩٠.
٣) الغدير ٦: ٥٩.
محبّتهم باب الرضا ورضاهم |
يسام بأرواح المحبّين لو يُشرى |
|
بمدحتهم جاء الاَمين فأصبحت |
عشوراً تؤدي كلّما قارىء يقرا |
|
لعمري هذا المجد والعز والعلا |
وأرقى مراقي الفخر والشرف الاَسرا |
|
فيا أيُّها الساعي ليمحو مجدهم |
رويدك لا تستطيع أن تطمس البدرا |
|
ويامن يعاديهم لفرط شقائه |
تمتّع قليلاً أنت في سقر الحمرا |
|
ويامن يواليهم ويَحفَظ ودّهم |
ويكرم مثواهم هنيئاً لك البشرى |
|
فلابدّ يوم العرض تسمع قائلاً |
تفضّل تفضّل فادخل الجنة الخضرا(١) |
١٨ - الشيخ عبدالمنعم الفرطوسي (المولود سنة ١٣٣٥ ه-) :
قال في اُرجوزته الشهيرة (ملحمة أهل البيت) مشيراً إلى قول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أحبّ أهل بيتي دخل الجنة».
أخذ المصطفى النبي بكفّي |
حسنٍ والحسين أخذ اصطفاءِ |
|
قال هذان والزكية منّاوهي |
بنتي وسيدُ الاَوصياءِ |
|
من أحبّ الجميع منهم ووالى |
كلّ فردٍ منهم بخير ولاءِ |
|
نالَ بعد الدخول جنّة عدنٍ |
درجاتٍ لخاتم الاَصفياءِ(٢) |
وقال تحت عنوان (حبّ فاطمة عليهاالسلام ينفع في مواطن) :
____________________
١) مجلة الموسم العدد «١٣»: ٣٥١ - ٣٥٢.
٢) فاطمة الزهراءعليهاالسلام في ديوان الشعر العربي: ٢٥٠ ، قسم الدراسات الاِسلامية ، مؤسسة البعثة - بيروت.
إنّ حبّ الزهراء ينفع حقاً |
أهله في مواطنٍ للبلاءِ |
|
وأقلُّ الاَهوال منها بلاءً |
ساعة الموت عند وقت الفناءِ |
|
وعذابُ القبور والحشر منها |
وعبور الصراط يوم البقاءِ |
|
وحساب العباد والوزن عدلاً |
عند وضع الميزان يوم اللقاءِ |
|
ليس ينجي العباد بالاَمن منها |
غير حبّ الزكية الحوراء |
|
فمحبُّ الزهراء يدخل حقاً |
في جنان المأوى مع الصلحاءِ(١) |
١٩ - السيد محسن الاَمين العاملي (ت / ١٣٧١ ه-) :
قال في مودة آل البيت عليهمالسلام :
آل النبي هم مصابيح الهدى |
تُجلى بنور هداهم الظلماتُ |
|
جبهاتهم بالنور تشرق كلّما |
قد أظلمت من غيرهم جبهاتُ |
|
أجر الرسالة ودّهم نزلت له |
في الذكر من ربِّ السما الآياتُ |
|
هم عصبةٌ بسوى الصلاة عليهم |
من مسلمٍ لا تُقبَل الصلواتُ |
|
يا آل بيت محمد بولائكم |
تُمحى الذنوب وتُضاعفُ الخيراتُ |
|
وبغير حُبّكم إذا جمع الورى |
يوم الجزا لا تُقبَل الطاعاتُ |
|
حُبّي لكم ذخري وإنّ جوانحي |
عمر الزمان عليه مطوياتُ(٢) |
____________________
١) فاطمة الزهراءعليهاالسلام في ديوان الشعر العربي: ٢٦١ - ٢٦٨.
٢) المنتخب من الشعر الحسيني / علي أصغر المدرسي: ٤٩ ، انتشارات عاشوراء - قم.
الفصل الثالث
فضائل أهل البيت عليهمالسلام في القرآن والسُنّة
المتتبع للنصوص الاِسلامية قرآناً وسُنةً يجد وبوضوح أنّه لم يرد في القرآن الكريم والسُنّة النبوية المطهّرة في أحدٍ مثلما ورد في أهل البيت عليهمالسلام من تعداد فضائلهم المتميزة ومناقبهم التي اختصوا بها من بين أفراد الاُمّة وحازوها من دونهم.
ومما لا شكّ فيه أنّ وصول هذا الكم الهائل من الروايات في فضل أهل البيت عليهمالسلام وبيان منزلتهم رغم محاولات الطمس والتحريف والتغيير التي تعرضت لها تلك الروايات ، يشير بوضوح إلى موقعهم الريادي في قيادة مسيرة الاُمّة وكونهم يحملون مؤهلات واستعدادات لتلك القيادة.
ونحن أمام هذه الكثافة الكبيرة من نصوص المناقب والفضائل الخاصة بأهل البيت عليهمالسلام لا يسعنا إلاّ أن نقدّم نماذج منها لتكون مؤشرات صريحة على الخصوصية التي تميز بها أهل البيت عليهمالسلام دون سائر الاُمّة ، وذلك من خلال مبحثين.
المبحث الاَول
فضائل أهل البيت عليهمالسلام في القرآن الكريم
عرض الكتاب الكريم جوانب مهمة من فضائل أهل البيت عليهمالسلام وموقعهم المتميز في حياة الاُمّة ، فأكّد على حالة الاقتران بين الرسول الاَعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته المعصومين عليهمالسلام ، ومن الشواهد المتفق عليها آية المباهلة وآية التطهير ، وأكّد على أهمية الولاء والحبّ لاَهل البيت عليهمالسلام وأوجبه على المسلمين ، كما جاء في آية المودّة ، وثمة مظاهر متعددة من فضائلهم ومناقبهم التي اختصوا بها تدل عليها الآيات الكثيرة النازلة في حقهم ، والتي سنذكر بعضها في هذا المبحث:
١ - قوله تعالى: ( فَمن حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعدِ ما جَاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُلْ تَعَالوا نَدعُ أبناءَنَا وأبناءَكُم ونِساءَنا ونِسَاءَكُم وأنفُسَنَا وأنفُسَكَم ثُم نَبتَهِلْ فَنَجعَلْ لَّعنةَ اللهِ عَلى الكَاذِبينَ ) (١) .
جاء هذا الخطاب الالهي على أثر المحاجّة بين الرسول الاَكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ووفد نصارى نجران الذين ادعوا الحق لاَنفسهم والظهور على الدين ، فدعاهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى المباهلة بناءً على هذه الآية المباركة ، وكان نتيجة ذلك أن ردّ ادعاءهم إلى نحورهم ، وأفحمهم بالحجة وغلبهم بالبرهان ، فاختاروا الموادعة ودفع الجزية على أن يباهلوا الرسول الاَكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته عليهمالسلام بعد أن تيقنوا العذاب الاَليم واللعنة الدائمة ،
____________________
١) سورة آل عمران: ٣ / ٦١.
والقصة أشهر من أن تذكر تفاصيلها وجزئياتها ، فقد تكفلت كتب التاريخ والحديث والسيرة والتفسير ببيانها على وجه التفصيل.
والذي يهمنا هنا هو بيان مصاديق هذه الآية المباركة الذين اصطفاهم الله تعالى لتلك المنازل العظمى ، وبيان مدلولات هذا الاختيار الالهي الهادف.
أجمعت كتب التفسير والحديث والسيرة على أن الذين انتخبهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بناء على الاَمر الالهي كمصاديق للآية الكريمة هم علي وفاطمة والحسن والحسين ولا أحد سواهم(١) .
فعن سعد بن أبي وقاص ، قال: لما نزلت هذه الآية ( فَقُلْ تَعَالوا نَدعُ أبناءَنَا وأبناءَكُم ) دعا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً عليهمالسلام فقال: « اللهمَّ هؤلاء أهل بيتي »(٢) .
وعن جابر بن عبدالله ، قال: ( أنفُسَنَا وأنفُسَكُم ) رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وعلي ،و ( وأبنَاءَنا ) الحسن والحسين ، و ( نِسَاءَنا ) فاطمة(٣) ، وروي
____________________
١) راجع: صحيح مسلم ٤: ١٨٧١ وسنن الترمذي ٥: ٢٢٥ / ٢٩٩٩ ومصابيح السُنّة ٤: ١٨٣ / ٤٧٩٥ والكامل في التاريخ ٢: ٢٩٣ وأسباب النزول للواحدي: ٦٠ وتفسير الرازي ٨: ٨١ وتفسير الزمخشري ١: ٣٦٨ وتفسير القرطبي ٤: ١٠٤ وتفسير الآلوسي ٣: ١٨٨ - ١٨٩ وتفسير النسفي ١: ٢٢١ وفتح القدير / الشوكاني ١: ٣٤٧ ومعالم التنزيل / البغوي ١: ٤٨٠ وجامع الاُصول ٩: ٤٧٠ / ٦٤٧٩ وغيرها كثير.
٢) مسند أحمد ١: ١٨٥ والمستدرك على الصحيحين ٣: ١٥٠ وقال: صحيح على شرط الشيخين، وصححه الذهبي أيضاً وفتح الباري ٧: ٦٠ وأُسد الغابة ٤: ١٠٥ والاستيعاب / ابن عبدالبر ٣: ٣٧ ، وراجع المصادر المتقدمة.
٣) الدر المنثور ٢: ٣٨ - ٣٩.
نحوه عن الشعبي(١) ، بل وروى ذلك نحو ٢٤ بين صحابي وتابعي ، وأكثر من (٥٢) من رواة الحديث وعلماء التفسير(٢) .
وقال الزمخشري منبهاً إلى سبب تقديم الاَبناء والنساء على الاَنفس في الآية المباركة: وقدّمهم في الذكر على الاَنفس لينبّه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم ، بأنهم مقدمون على الاَنفس مُندكون بها ، وفيه دليل لاشيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء ، وفيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم (٣) .
أما الدلالات التي يحملها هذا النص القرآني ، فهي :
الدلالة الاُولى :
إنّ تعيين شخصيات المباهلة ليس حالة عفوية مرتجلة، وإنّما هو اختيار إلهي هادف ، وقد أجاب الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم حينما سُئل عن هذا الاختيار بقوله: « لو علم الله تعالى أن في الاَرض عباداً أكرم من علي وفاطمة والحسن والحسين ، لاَمرني أن أباهل بهم ، ولكن أمرني بالمباهلة مع هؤلاء ، فغلبت بهم النصارى ».
الدلالة الثانية :
إنّ ظاهرة الاقتران الدائم بين الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته عليهمالسلام تعبر عن مضمون رسالي كبير يحمل دلالات فكرية وروحية وسياسية خطيرة ،
____________________
١) أسباب النزول / الواحدي: ٥٩.
٢) راجع تشييد المراجعات ١: ٣٤٤ - ٣٤٨.
٣) تفسير الكشاف ١: ٣٦٩ - ٣٧٠.
فالمسألة ليست تكريساً للمفهوم القبلي الذي ألفته الذهنية العربية ، بل هو الاِعداد الرباني الهادف لصياغة الوجود الامتدادي في حركة الرسالة ، هذا الوجود الذي يمثله أهل البيت عليهمالسلام بما يملكونه من إمكانات تؤهلهم لذلك.
الدلالة الثالثة :
لو حاولنا أن نستوعب مضمون المفردة القرآنية التي جاءت في هذا النص وهي قوله تعالى: ( أنفسنا ) لاستطعنا أن ندرك قيمة هذا النص في الاَدلة المعتمدة لاثبات الاِمامة.
إنّ هذه المفردة القرآنية تعتبر علياً عليهالسلام الحالة التجسيدية الكاملة لشخصية الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، نستثني النبوة التي تمنح لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم خصوصية لا يشاركه فيها أحد مهما كان موقعه ، فعلي عليهالسلام بما يملكه من هذه المصداقية الكاملة هو المؤهل الوحيد لتمثيل الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته وبعد مماته(١) .
٢ - قوله تعالى: ( فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ اليومِ وَلَقَّاهُم نَضَرةً وَسُرُوراً * وَجَزاهُم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيراً ) (٢) .
فقد توافق المفسرون والمحدثون على أنّ هذه الآيات نزلت في أهل البيت عليهمالسلام خاصة ، في قصة تصدّق علي وفاطمة والحسنين عليهمالسلام على المسكين واليتيم والاَسير ، وظاهر من اللفظ القرآني أن الله تعالى بشّرهم
____________________
١) التشيع / عبدالله الغريفي: ٢٢٤.
٢) سورة الاِنسان: ٧٦ / ١١ - ١٢.
بالجنّة والرضوان(١) .
٣ - قوله تعالى: ( إنَّ اللهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ على النَّبيِّ يَا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا صَلُّوا عَليهِ وسَلِّمُوا تَسلِيماً ) (٢) ، ففي هذه الآية المباركة أوجب الله تعالى الصلاة على الآل كما أوجبها على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذلك يحكي عن حالة الاقتران بين النبي وآله كما شهدناه في آية التطهير والمودة.
وجاء في الصحيح المتفق عليه أنّه قيل لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : يا رسول الله ، أما السلام عليك فقد عرفناه ، فكيف الصلاة عليك ؟
فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد »(٣) .
وقد عبّر الشافعي عن فرض الصلاة على الآل بقوله :
يا أهل بيت رسول الله حبكم |
فرضٌ من الله في القرآن أنزلهُ |
____________________
١) راجع: تفسير الرازي ٣٠: ٢٤٣ وروح المعاني ٢٩: ١٥٧ - ١٥٨ وتفسير الكشّاف ٤: ٦٧٠ وفتح القدير / الشوكاني ٥: ٣٤٩ ومعالم التنزيل / البغوي ٥: ٤٩٨ وتفسير أبي السعود ٩: ٧٣ وتفسير البيضاوي ٢: ٥٢٥ - ٥٢٦ وتفسير النسفي ٣: ٦٢٨ وأسباب النزول/ الواحدي: ٢٥١ ونور الاَبصار: ١٠٢ والرياض النضرة ٢: ٢٢٧ وروح البيان/ الشيخ اسماعيل حقي ١٠: ٢٦٨.
٢) سورة الاحزاب: ٣٣ / ٥٦.
٣) صحيح البخاري ٦: ٢١٧ / ٢٩١ وصحيح مسلم ١: ٣٠٥ / ٤٠٥ و٤٠٦ وسنن الترمذي ٥: ٣٥٩ / ٣٢٢٠ وسنن ابن ماجة ١: ٢٩٣ / ٩٠٤ ومسند أحمد ٥: ٣٥٣ وتفسير الرازي ٢٥: ٢٢٧ والمعجم الصغير / الطبراني ١: ١٨٠ والمعجم الاوسط / الطبراني ٣: ٨٨ / ٢٣٨٩ وغيرها كثير.
كفاكم من عظيم الشأن أنكم |
من لم يصلِّ عليكم لا صلاة لهُ(١) |
٤ - قوله تعالى: ( واعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعاً ) (٢) .
فقد جاء عن الاِمام الرضا عليهالسلام ، عن أبيه عن آبائه عن الاِمام علي عليهالسلام قال: « قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : من أحب أن يركب سفينة النجاة ويستمسك بالعروة الوثقى ويعتصم بحبل الله المتين فليوالِ علياً وليأتم بالهداة من ولده »(٣) .
كما ورد عن الاِمام جعفر بن محمد الصادق عليهالسلام في قوله تعالى: ( واعتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا ) قال: « نحن حبل الله »(٤) .
٥ - قوله تعالى: ( ياأيُّها الَّذينَ آمنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (٥) .
جاء عن الاِمام الباقر عليهالسلام في هذه الآية قوله: « مع آل محمد عليهمالسلام »(٦) .
وورد عن عبدالله بن عمر قوله في الآية: ( اتَّقُوا اللهَ ) قال: أمر الله أصحاب محمد بأجمعهم أن يخافوا الله ثم قال لهم: ( كُونُوا مَعَ الصَّادِقينَ ) يعني محمداً وأهل بيته(٧) .
____________________
١) الصواعق المحرقة: ١٤٨.
٢) سورة آل عمران: ٣ / ١٠٣.
٣) شواهد التنزيل ١: ١٦٨ / ١٧٧.
٤) خصائص الوحي المبين: ١٨٣ الفصل ١٥ وأمالي الطوسي ١: ٢٧٨ / ٥١.
٥) سورة التوبة: ٩ / ١١٩.
٦) ترجمة الاِمام عليعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق ٢: ٤٢١ / ٩٣٠.
٧) مناقب آل أبي طالب / ابن شهر آشوب ٣: ١١١ ، دار الاضواء - بيروت ط٢ وتفسير البرهان ٢: ٨٦٥ / ٩.
=
٦ - قوله تعالى: ( فأسألُوا أهلَ الذِّكرِ إن كُنتُم لا تَعلَمُونَ ) (١) .
عن الاِمام الباقر عليهالسلام قال: « لما نزلت هذه الآية... قال علي عليهالسلام : نحن أهل الذكر الذي عنانا الله جلَّ وعلا في كتابه »(٢) .
٧ - قوله تعالى: ( إنّما أنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هادٍ ) (٣) .
جاء عن الاِمام أبي جعفر عليهالسلام قوله في الآية: « رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم المنذر ، ولكلِّ زمان منّا هاد يهديهم إلى ما جاء به نبي الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم الهداة من بعده علي ثم الاَوصياء واحد بعد واحد»(٤) .
٨ - قوله تعالى: ( وما يَعلَمُ تأويلَهُ إلاّ اللهُ والرَّاسِخُونَ في العِلمِ ) (٥) .
عن الاِمام الصادق عليهالسلام قال: « الراسخون في العلم أمير المؤمنين والاَئمة من بعده »(٦) .
ويضاف إلى الآيات المفسّرة في أهل البيت عليهمالسلام ما اختصّ به أمير المؤمنين علي عليهالسلام من الآيات الكثيرة التي بيّنت فضله ومنزلته وخصائصه ومكارم أخلاقه ووجوب إطاعته ، وهي كثيرة عبّر عنها حبر الاُمّة عبدالله
____________________
=
١) سورة النحل: ١٦ / ٤٣ وسورة الاَنبياء: ٢١ / ٧.
٢) تفسير الطبري ١٤: ١٠٨ وخصائص الوحي المبين: ٢٢٩ فصل ٢٢.
٣) سورة الرعد: ١٣ / ٧.
٤) اصول الكافي ١: ١٩١ - ١٩٢ / ٢ باب ان الاَئمةعليهمالسلام هم الهداة.
٥) سورة آل عمران: ٣ / ٧.
٦) اصول الكافي ١: ٢١٣ / ٣ باب ان الاَئمةعليهمالسلام هم الراسخون في العلم.
ابن عباس بقوله: ما نزل في أحدٍ من كتاب الله تعالى ما نزل في عليّ(١) .
وبقوله: ليست آية في كتاب الله ( يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا ) إلاّ وعلي أولها وأميرها وشريفها ، ولقد عاتب الله أصحاب محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يذكر علياً إلاّ بخير أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس(٢) .
وبالنظر لكثرة الآيات النازلة فيه عليهالسلام فقد اهتمّ قدامى المحدثين والمفسرين بإفراد موضوع ما نزل من القرآن في علي عليهالسلام بالتصنيف والتأليف ، كالجلودي والطبراني وأبي نعيم ومحمد بن مؤمن الشيرازي والحسكاني وأبي الفرج الاصفهاني والحبري والمرزباني وأبي إسحاق الثقفي وأبي جعفر القمي والمجاشعي وأبي عبدالله الخراساني وغيرهم(٣) .
وفيما يلي نذكر نخبة من آي القرآن الكريم النازلة في ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام خاصة :
١ - قوله تعالى: ( اليَومَ أكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وأتمَمتُ عَليكُم نِعمَتي
____________________
١) تاريخ الخلفاء / السيوطي: ١٨٩ ، دار التعاون - مكة المكرمة ونور الاَبصار: ٩٠.
٢) نور الاَبصار: ٨٧ و ٩٠ وكفاية الطالب: ١٣٩ والرياض النضرة ٢: ٢٧٤ وذخائر العقبى: ٣٨٩ ومجمع الزوائد ١: ٣١٧ و٩: ١١٢ وترجمة الاِمام عليعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق ٢: ٤٢٨ - ٤٣٠/ ٩٣٥ - ٩٣٩ وشواهد التنزيل ١: ٤٨ - ٥٤ / ٦٧ - ٨٥ ومناقب الخوارزمي: ١٨٨.
٣) أهل البيتعليهمالسلام في المكتبة العربية / عبدالعزيز الطباطبائي: ٤٤٤ - ٤٥٥ ، مؤسسة آل البيتعليهمالسلام لاِحياء التراث - قم ط١ والذريعة إلى تصانيف الشيعة / اقا بزرگ الطهراني ١٩: ٢٨ - ٢٩ ، منشورات اسماعيليان - قم والنور المشتعل من كتاب ما نزل من القرآن في الاِمام عليعليهالسلام / أبو نعيم الاَصبهاني: ١٤ - ١٩ ، وزارة الارشاد الاِسلامي - قم ط١.
وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسلامَ دِيناً ) (١) هذه الآية نزلت في ولاية أمير المؤمنين عليهالسلام (فقد تعاضدت الروايات الصحيحة الاَسانيد التي تصرّح بنزول هذه الآية على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بعد المسير من حجة الوداع، وفي أثناء خطبة الغدير، وقد ثبت هذا من عدة طرق رجالها ثقات ، عن عدد كبير من الصحابة ، منهم علي بن أبي طالب عليهالسلام ، وعبدالله بن عباس ، وأبو سعيد الخدري ، والبراء بن عازب ، وزيد بن أرقم ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، والمقداد بن الاَسود ، وأبو هريرة)(٢) .
وجاء فيها: ان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم دعا الناس إلى غدير خم ، وذلك يوم الخميس ، ثم دعا الناس إلى علي بن أبي طالب ، فأخذ بضبعه فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض ابطيه، وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهمَّ والِ من والاه وعادِ من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله » ثم لم يتفرقا حتى نزلت هذه الآية: ( اليَومَ أكمَلتُ لَكُم دينَكُم... ) فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « الله أكبر على اكمال الدين ، واتمام النعمة ، ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي »(٣) .
وسجّل شاعر الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم حسان بن ثابت الاَنصاري هذا الحدث التاريخي بكلمات من نور بعد أن استأذن الرسول الاَعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم فأذن له ،
____________________
١) سورة المائدة: ٥ / ٣.
٢) راجع منهج في الانتماء المذهبي / الاُستاذ صائب عبدالحميد: ١٤٨ ، مركز الغدير - قم ط٥.
٣) راجع مناقب الخوارزمي: ٨٠ ومقتل الاِمام الحسينعليهالسلام له أيضاً: ٤٧ وترجمة الاِمام عليعليهالسلام / ابن عساكر ٢: ٧٥ / ٥٧٧ - ٥٨٠ وتاريخ بغداد ٨: ٢٩٠ وتاريخ اليعقوبي ٢: ٤٣ وشواهد التنزيل: ١٥٧ / ٢١٠ - ٢١٥ ومناقب ابن المغازلي: ١٩ وتذكرة الخواص / ابن الجوزي: ٢٩ وفرائد السمطين ١: ٣١٥ والدر المنثور / السيوطي ٢: ٢٥٩ والاتقان له أيضاً ١: ٧٥.
فقال حسان :
يناديهم يوم الغدير نبيهم |
بخمٍّ وأسمع بالرسول مناديا |
|
يقول فمن مولاكم ووليكم |
فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا |
|
إنّك مولانا وأنت ولينا |
ولن تجدن منّا لك اليوم عاصيا |
|
فقال له قم يا علي فانني |
رضيتك من بعدي إماماً وهاديا |
|
فمن كنت مولاه فهذا وليه |
فكونوا له أنصار صدق مواليا |
|
هناك دعا اللهمَّ والِ وليّه |
وكن للذي عادى عليّاً معاديا(١) |
ومن قصيدة لاَمير المؤمنين علي عليهالسلام مطلعها :
محمد النبي أخي وصنوي |
وحمزة سيد الشهداء عمّي |
إلى أن يقول عليهالسلام :
فأوجب لي الولاء معاً عليكم |
رسول الله يوم غدير خمِّ |
|
فويلٌ ثم ويل ثم ويلٌ |
لمن يلقى الاِله غداً بظلمي(٢) |
____________________
١) الارشاد / الشيخ المفيد ١: ١٧٧ ، مؤسسة آل البيتعليهمالسلام - قم ط١ والفصول المختارة / الشيخ المفيد: ٢٠٩ و ٢٣٥ ، مكتبة الداوري - قم ط٤ والامالي / الصدوق: ٤٦٠ / ٣ المجلس ٨٤ والمناقب / الخوارزمي: ٨٠ ومقتل الاِمام الحسينعليهالسلام له أيضاً: ٤٧ وتذكرة الخواص / ابن الجوزي: ٣٣ والمناقب / ابن شهر آشوب ٣: ٢٧ وكنز الفوائد / الكراجكي ١: ٢٦٨ ، دار الاَضواء - بيروت وكشف الغمة / الاربلي ١: ٣١٩ واعلام الورى / الطبرسي ١: ٢٦٢. والطرائف / ابن طاووس: ١٤٦ وكفاية الطالب: ٦٤ وفرائد السمطين ١: ٧٣ - ٧٤ وأخرجها العلاّمة الاَميني في الغدير ٢: ٣٤ من ٣٨ طريقاً.
٢) كنز الفوائد / الكراجكي ١: ٢٦٦ وتذكرة الخواص / ابن الجوزي: ١٠٢ والاحتجاج /
=
٢ - قوله تعالى: ( يَا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إليكَ مِن رَّبِّكَ وإن لم تَفعَل فَما بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ واللهُ يَعصِمُكَ مِن النَّاسِ ) (١) وهذه الآية ، نزلت في ولاية أمير المؤمنين عليهالسلام وبنفس المناسبة التي نزلت فيها الآية الاُولى ، فقد روى الواحدي بالاسناد عن أبي سعيد الخدري ، قال: نزلت هذه الآية يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضياللهعنه (٢) .
وروى السيوطي والشوكاني عن ابن مسعود أنّه قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ( يَا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ ما أُنزِلَ إليكَ مِن رَّبِّكَ ) أنّ علياً مولى المؤمنين ( وإن لم تَفعل فما بَلغتَ رِسَالَتَهُ ) (٣) .
٣ - قوله تعالى: ( إنّما وَليُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ) (٤) ، هذه الآية نزلت في ولاية أمير المؤمنين عليهالسلام أيضاً ، فقد أكدت أكثر كتب التفسير على نزول هذه الآية في الاِمام علي بن أبي طالب عليهالسلام حين تصدق بخاتمه وهو راكع في صلاته(٥) ، ومعنى الولي في هذه الآية لايكاد ينصرف عن المعنى المتبادر وهو مالك
____________________
=
الطبرسي: ١٨٠ والفصول المهمة / ابن الصباغ: ٣٢ وروضة الواعظين: ٨٧ وكنز العمال ١٣: ١١٢ ومختصر تاريخ دمشق / ابن منظور ١٨: ٧٧ وأخرجها العلاّمة الاَميني في الغدير ٢: ٢٥ من ٣٧ طريقاً.
١) سورة المائدة: ٥ / ٦٧.
٢) أسباب النزول: ١١٥.
٣) الدر المنثور ٢: ٢٩٨ وفتح القدير / الشوكاني ٢: ٦٠.
٤) سورة المائدة: ٥ / ٥٥.
٥) أسباب النزول / الواحدي ٣: ١١٤ ولباب النقول في أسباب النزول / السيوطي: ٨١ وتفسير أبي السعود ٣: ٥٢ والكشاف / الزمخشري ١: ٦٤٩ ومعالم التنزيل / البغوي ٢: ٢٧٢ وجامع الاصول / الجزري ٨: ٦٦٤ / ٦٥١٥ وسائر مصنفات المناقب والتفاسير.
الاَمر والاَولى بالتصرف ، أي من له صلاحية الولاية على أمور الناس والاَولى بها منهم ، وهو الاِمام ، وهي نصّ صريح على إمامة أمير المؤمنين عليهالسلام بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنشأ حسّان بن ثابت في هذا المعنى قائلاً :
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي |
وكل بطيء في الهدى ومسارعِ |
|
أيذهب مدحي والمحبين ضائعاً |
وما المدح في جنب الاله بضائعِ |
|
فأنت الذي أعطيت إذ أنت راكعٌ |
فدتك نفوس القوم يا خير راكعِ |
|
فأنزل فيك الله خير ولاية |
وبيَّنها في محكمات الشرائعِ(١) |
٤ - قوله تعالى: ( وَأنذِر عَشِيرَتَكَ الاَقرَبِينَ ) (٢) .
جاء في كتب التفسير والسيرة في سبب نزول هذه الآية: أن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم دعا بني عبد المطلب وأولم لهم ، ثم توجه اليهم قائلاً: « يا بني عبد المطلب ، والله ماأعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به ، إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على هذا الامر ، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ » فأحجم القوم عنها جميعاً ، فقال علي عليهالسلام أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه ، فأخذ صلىاللهعليهوآلهوسلم برقبته ، ثم قال: « إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فأسمعوا له وأطيعوا »(٣) .
____________________
١) الغدير / العلاّمة الاَميني ٢: ٥٢ كما ذُكرت الاَبيات في فرائد السمطين ١: ١٨٩ - ١٩٠ والمناقب / الخوارزمي ١٨٦ وتذكرة الخواص / ابن الجوزي: ١٥ وكفاية الطالب: ٢٢٨ وبألفاظ اُخرى.
٢) سورة الشعراء: ٢٦ / ٢١٤.
٣) تاريخ الطبري ٢: ٢١٧ والسيرة الحلبية / علي بن ابراهيم الحلبي الشافعي ١: ٢٨٦ ، دار إحياء
والآيات النازلة في شأن أمير المؤمنين علي عليهالسلام كثيرة ، لايسعنا الاحاطة بها في هذا المختصر ، ومن أراد المزيد فليرجع الى الكتب المصنّفة في هذا الموضوع(١) .
المبحث الثاني
فضائل أهل البيت عليهمالسلام في السُنّة المطهّرة
لم يرد في السنة المباركة في فضل أحدٍ مثلما ورد في أهل البيت عليهمالسلام من الاَحاديث الصحيحة والمتواترة التي تصرّح بخصائص تفردوا بها وفضائل لا يشاركهم فيها أحد ، فهم سفن النجاة وأزمّة الحق وألسنة الصدق وأمان الاُمّة والعروة الوثقى ودعائم الدين وأبواب العلم الى آخر الصفات التي تصرّح بها الاَحاديث النبوية.
ولم يكن تأكيد الرسول الاكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم على تلك الخصائص والصفات منطلقاً من بواعث ذاتية أو عاطفية ، بل انه يعبّر عن تأصيل المبدأ القيادي للاُمّة بعد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذلك يتضح من جملة الظواهر المستمدّة من النصوص الحديثية ، كالتأكيد على حالة الاقتران بين الرسول الاعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم وبين أهل البيت عليهمالسلام ، والاقتران بين الكتاب الكريم وأهل البيت عليهمالسلام ، ولزوم التمسك بهم والاقتداء بنهجهم ، وتأكيد الحبّ والموالاة لهم ، وبيان
____________________
=
التراث العربي - المكتبة الاِسلامية - بيروت ومعالم التنزيل / البغوي ٤: ٢٧٨ وشرح ابن أبي الحديد ١٣: ٢١٠ وكنز العمال ١٣: ١٣١ / ٣٦٤٦٩.
١) راجع شواهد التنزيل / الحاكم الحسكاني ، وتفسير الحبري ، وخصائص الوحي المبين / ابن البطريق.
الموقع المتميز لهم دون سائر أفراد الامة ، كما هو واضح في حديث الثقلين وحديث السفينة وحديث الكساء والمنزلة وغيرها
وفيما يلي نورد طائفة من هذه الاَحاديث المتفق عليها عند الفريقين :
١ - قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّي تارك فيكم الثقلين ، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابداً، أحدهما أعظم من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ،فانظروا كيف تخلّفوني فيهما »(١) .
٢ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق »(٢) .
٣ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «النجوم أمان لاَهل الارض من الغرق ، وأهل بيتي أمان
____________________
١) اُخرج هذا الحديث بهذا اللفظ وبألفاظ اُخرى متواترة معنى في صحيح مسلم ٤: ١٨٧٣ / ٢٤٠٨ و٥: ٦٦٣ / ٣٧٨٦ و ٣٧٨٨ والمستدرك / الحاكم ٣: ١٤٨ ومسند أحمد ٣: ١٤ و١٧ و٢٦ و٥٩ ، ٤: ٣٧١ ، ٥: ١٨٢ و١٨٩ وفي فضائل الصحابة / أحمد بن حنبل ٢: ٦٠٣ / ١٠٣٥ والخصائص / النسائي: ٢١ ومصابيح السُنّة ٤: ١٨٥ / ٤٨٠٠ و١٩٠ / ٤٨١٦ ومجمع الزوائد ٩: ١٦٣ - ١٦٤ والجامع الصغير / السيوطي ١: ٢٤٤ / ١٦٠٨ والصواعق المحرقة/ ابن حجر: ٧٥ و٨٩ والخصائص الكبرى / السيوطي ٢: ٢٦٦ وتفسير الدر المنثور / السيوطي ٢: ٦٠ وتفسير الرازي ٨: ١٦٣ وحلية الاَولياء ١: ٣٥٥ وسنن البيهقي ٢: ١٤٨ و٧: ٣٠ وأُسد الغابة ٢: ١٣. وتاريخ بغداد ٨: ٤٤٢. والمعجم الكبير / الطبراني ٣: ٢٠١ / ٣٠٥٢ وغيرها كثير.
٢) المستدرك / الحاكم ٢: ٣٤٣ وصححه على شرط مسلم و ٣: ١٥١ والخصائص الكبرى / السيوطي ٢: ٢٦٦ والجامع الصغير / السيوطي ٢: ٥٣٣ / ٨١٦٢ وروح المعاني / الآلوسي ٢٥: ٣٢ وتفسير ابن كثير ٤: ١٢٣ وتاريخ بغداد ١٢: ٩١ وحلية الاَولياء ٤: ٣٠٦ والصواعق المحرقة: ١٨٤ و٢٣٤ ومجمع الزوائد ٩: ١٦٨ وذخائر العقبى: ١٢٠ وكفاية الطالب: ٣٧٨ ونور الاَبصار: ١٠٤ وغيرها.
لاَمتي من الاختلاف ، فاذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا، فصاروا حزب إبليس »(١) .
٤ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام : « أنا حرب لمن حاربتم ، وسلم لمن سالمتم »(٢) .
وفي لفظ آخر: «أنا حرب لمن حاربكم ، وسلم لمن سالمكم»(٣) .
٥ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم وقد جلس مع علي وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام : «اللهمّ هؤلاء أهل بيتي ، اللهمّ عادِ من عاداهم ووالِ من والاهم »(٤) .
٦ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني
____________________
١) مستدرك الحاكم ٣: ١٤٩ وصححه والخصائص الكبرى / السيوطي ٢: ٢٦٦ وفضائل الصحابة / أحمد بن حنبل ٣: ٦٧١ / ١١٤٥ والصواعق المحرقة: ١١١ و ١٤٠ وذخائر العقبى: ١٧ وكنز العمال ١٢: ٩٦ / ٣٤١٥٥ و ١٠١ / ٣٤١٨٨ و ١٠٢ / ٣٤١٨٩ والجامع الصغير / السيوطي ٢: ٦٨٠ / ٩٣١٣ ومجمع الزوائد ٩: ١٧٤ وفيض القدير ٦: ٢٩٧ وغيرها.
٢) سنن الترمذي ٥: ٦٩٩ / ٣٨٧٠ ومستدرك الحاكم ٣: ١٤٩ وسنن ابن ماجة ١: ٥٢ / ١٤٥ ومسند أحمد ٢: ٤٤٢ وأُسد الغابة ٧: ٢٢٥ ومجمع الزوائد ٩: ١٦٩ ومصابيح السُنّة ٤: ١٩٠ والصواعق المحرقة: ١٨٧ والرياض النضرة ٣: ١٥٤ وشواهد التنزيل ٢: ٢٧ ومناقب الخوارزمي: ٩١ والمعجم الكبير / الطبراني ٣: ٣٠ / ٢٦١٩ وكنز العمال ٦: ٢١٦ وصحيح ابن حبان ٧: ١٠٢ وغيرها.
٣) مسند أحمد ٢: ٤٤٢ ومستدرك الحاكم ٣: ١٦١ وتاريخ بغداد ٧: ١٣٧ والمعجم الكبير / الطبراني ٣: ٣١ / ٢٦٢١ والبداية والنهاية ٨: ٣٦ وسير أعلام النبلاء ٢: ١٢٢ و ١٢٥ وتأريخ الاِسلام ٣: ٤٥ وغيرها.
٤) التاريخ الكبير / البخاري ٢: ٦٩ - ٧٠ ومسند أبي يعلى ١٢: ٣٨٣ / ٦٩٥١ ومجمع الزوائد ٩: ١٦٦ - ١٦٧ وقال: اسناده جيد.
اسرائيل ، من دخله غُفِر له »(١) .
٧ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « نحن أهل البيت لايقاس بنا أحد »(٢) .
٨ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم موصياً: « أنشدكم الله في أهل بيتي »(٣) .
٩ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من حفظني في أهل بيتي فقد اتخذ عند الله عهدا»ً(٤) .
١٠ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أحبّ أن يُبارك له في أجله وأن يمتّعه الله بما خوله ، فليخلفني في أهلي خلافة حسنة»(٥) .
١١ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «اخلفوني في أهل بيتي »(٦) .
١٢ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « استوصوا بأهل بيتي خيراً ، فأنى اُخاصمكم عنهم غداً ، ومن أكن خصمه أخصمه ، ومن أخصمه دخل النار»(٧) .
____________________
١) المعجم الاَوسط / الطبراني ٦: ١٤٧ / ٥٨٧٠ والمعجم الصغير له أيضاً ٢: ٢٢ والصواعق المحرقة / ابن حجر: ١٥٢ وكفاية الطالب: ٣٧٨ ومجمع الزوائد ٩: ١٦٨ وغيرها.
٢) فردوس الديلمي ٤: ٢٨٣ / ٦٨٣٨ وذخائر العقبى: ١٧. وكنز العمال ٦: ٢١٨. وكنوز الحقائق/ عبدالرؤوف المناوي: ١٥٣ ، دار الكتب العلمية - بيروت وفرائد السمطين ١: ٤٥.
٣) المعجم الكبير ٥: ١٨٣ / ٥٠٢٧ وكنز العمال ١٣: ٦٤٠ / ٣٧٦١٩ وإحقاق الحق / نور الله الحسيني التستري ٩: ٤٣٤.
٤) ذخائر العقبى: ١٨ وينابيع المودة ٢: ١١٤ / ٣٢٣ وإحقاق الحق ٩: ٤١٨.
٥) كنز العمال ١٢: ٩٩ / ٣٤١٧١.
٦) الصواعق المحرقة: ١٥٠ والجامع الصغير ١: ٥٠/ ٣٠٢ ومجمع الزوائد ٩: ١٦٣ وينابيع المودة ١: ١٢٦ / ٦٢.
٧) الصواعق المحرقة: ١٥٠ ، ذخائر العقبى: ١٨٠.
اختصّ أمير المؤمنين علي عليهالسلام بفضائل لا تدانى ومنزلة لا تضاهى ، فهو أخو رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وأول من آمن به وصدّقه ، وأحبّ الناس إلى الله تعالى وإلى رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو وصيّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ووارثه وصفيه ووزيره وباب مدينة العلم وولي كلّ مؤمن بعده.
وفضائله المبيّنة عن منزلته السامية عند الله تعالى كثيرة تفوق حدّ الاِحصاء ، أفردها كثير من العلماء والمحدثين بالتصنيف والتأليف(١) .
روى الحاكم باسناده عن أحمد بن حنبل ، قال: ما جاء لاَحدٍ من أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من الفضائل أكثر ما جاء لعلي بن أبي طالب عليهالسلام (٢) ورواه ابن عساكر(٣) ، وابن حجر ، وقال الاَخير: وكذا قال النسائي وغير واحد(٤) .
وقال ابن أبي الحديد: اعلم أنّ أمير المؤمنين عليهالسلام لو فخر بنفسه ، وبالغ في تعديد مناقبه وفضائله بفصاحته التي آتاه الله تعالى إياها واختصّه بها ، وساعده على ذلك فصحاء العرب كافة ، لم يبلغوا إلى معشار ما نطق به الرسول الصادق صلوات الله عليه في أمره(٥) .
____________________
١) كالسيد الرضي في الخصائص وابن المغازلي في المناقب والخوارزمي في المناقب وغيرهم.
٢) المستدرك على الصحيحين ٣: ١٠٧.
٣) ترجمة الاِمام عليعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق ٣: ٨٣ / ١١٧ وطبقات الحنابلة / أبو يعلى ١: ٣١٩ ، دار المعرفة - بيروت والاستيعاب ٣: ٥١.
٤) تهذيب التهذيب ٧: ٣٣٩.
٥) شرح ابن أبي الحديد ٩: ١٦٦.
وفيما يلي بعض تلك الفضائل التي اختص بها أمير المؤمنين عليهالسلام من بين أفراد الاُمّة :
١ - إنّه أحبّ الخلق إلى الله تعالى ، وذلك في حديث الطائر المشهور المتواتر ، وقد أوردناه في المبحث الثاني من الفصل الثاني صفحة (٦٢) مع مصادره ، فراجع.
٢ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم مخاطباً أمير المؤمنين علي عليهالسلام : « أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، إلاّ أنه لا نبي بعدي »(١) .
والظاهر من القرآن الكريم ان هارون كان وزير موسى عليهالسلام وخليفته في قومه(٢) ، وكذلك أمير المؤمنين عليهالسلام ، فهو نصّ صريح في خلافته عليهالسلام .
٣ - ولعلّ حديث الراية في يوم خيبر ومجيئه بالفتح والظفر ، هو أربى فضائله عليهالسلام ، وقد مرّ نصّه في المبحث الثاني من الفصل الثاني صفحة (٦٣) مع جملة من مصادره ، فراجع.
٤ - وفي تبليغ سورة براءة ، بعث رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أبا بكر إلى أهل مكة ، فسار بها ثلاثاً ، ثم قال لعلي عليهالسلام : « الحقه ، فردّ علي أبا بكر ، وبلّغها أنت » ففعل وأخذها منه وسار إلى مكة ، ورجع أبو بكر إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قائلاً: يا رسول الله ، أحدث فيَّ شيء ؟ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا، ولكن أُمرت أن لا يبلّغها
____________________
١) صحيح البخاري ٥: ٨٩ / ٢٠٢ وصحيح مسلم ٤: ١٨٧٠ / ٢٤٠٤ وسنن الترمذي ٥: ٦٤٠/ ٣٧٣٠ والمستدرك للحاكم ٢: ٣٣٧ ومسند أحمد ١: ١٧٣ و ١٧٥ و ١٨٢ و ١٨٤ ومصابيح السُنّة ٤: ١٧٠ / ٤٧٦٢ وجامع الاُصول ٨: ٦٤٩ / ٦٤٨٩ و ٦٤٩٠ و ٦٤٩١ ولايكاد يخلو منه مصدر من مصادر الحديث.
٢) راجع: سورة طه: ٢٠ / ٢٩ - ٣٢ وسورة الفرقان: ٢٥ / ٣٥ وسورة الاَعراف: ٧ / ١٤٢.
إلاّ أنا أو رجل مني » وفي رواية: « لا يبلّغ عني إلاّ أنا ، أو رجل منّي »(١) .
٥ - ودعا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم علياً عليهالسلام يوم الطائف فانتجاه ، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما أنا انتجيته ، ولكنّ الله انتجاه »(٢) ».
٦ - وفي حديث سدّ الاَبواب الشارعة في مسجد النبي ، قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «سدّوا الاَبواب إلاّ باب علي» فتكلم الناس بذلك ، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أما بعد ، فإني اُمرت بسدّ هذه الاَبواب إلاّ باب علي ، وقال فيه قائلكم ، والله ماسددّته ولا فتحته ، ولكن اُمرت فاتّبعته »(٣) .
٧ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنا مدينة العلم ، وعلي بابها ، فمن أراد المدينة فليأت الباب »(٤) ، وفي لفظ آخر « أنا دار الحكمة وعلي بابها »(٥) .
____________________
١) مسند أحمد ١: ٣ و٣٣١ ، ٣: ٢١٢ و٢٨٣ ، ٤: ١٦٤ و١٦٥ وسنن الترمذي ٥: ٦٣٦ / ٣٧١٩ وجامع الاُصول ٨: ٦٦٠ / ٦٥٠٨ ومجمع الزوائد ٩: ١١٩ والصواعق المحرقة: ١٢٢ والجامع الصغير ٢: ١٧٧ / ٥٥٩٥ والبداية والنهاية ٧: ٣٧٠ وتفسير الطبري ١٠: ٤٦ وغيرها.
٢) سنن الترمذي ٥: ٦٣٩ / ٣٧٢٦ ومصابيح السُنّة ٤: ١٧٥ / ٤٧٧٣ وجامع الاصول ٩: ٦٤٩٣ والرياض النضرة ٣: ١٧٠ والبداية والنهاية ٧: ٣٦٩ وغيرها كثير.
٣) سنن الترمذي ٥: ٦٤١ / ٢٧٣٢ ومسند أحمد ١: ٣٣١ وفتح الباري ٧: ١٣ والمستدرك ٣: ١٢٥ ومجمع الزوائد ٩: ١١٤ والرياض النضرة ٣: ١٥٨ وجامع الاصول ٨: ٦٥٩ / ٦٥٠٦ والبداية والنهاية ٧: ٣٥٥ ، وجميع كتب المناقب.
٤) مستدرك الحاكم ٣ :١٢٦ و١٢٧ وصحّحه وجامع الاصول ٨: ٦٥٧ / ٦٥٠١ والبداية والنهاية ٧: ٣٧٢ وتاريخ بغداد ١١: ٤٩ - ٥٠ وأثبت صحته والصواعق المحرقة: ١٢٢ وغيرها.
٥) سنن الترمذي ٥: ٦٣٧ / ٣٧٢٣ ومصابيح السُنّة ٤: ١٧٤ / ٤٧٧٢ والجامع الصغير ١: ٤١٥ / ٢٧٠٤ والبداية والنهاية ٧: ٣٧٢ وحلية الاَولياء ١: ٦٤ وغيرها.
٨ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّ علياً مني وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي »(١) .
٩ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لكل نبي وصيّ ووارث ، وإن علياً وصيي ووارثي»(٢) .
١٠ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من آذى علياً فقد آذاني »(٣) .
فهذه النصوص النبوية وغيرها الكثير ، دلائل بيّنة تحكي عن فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام على جميع أفراد الاُمّة ، وكونه المؤهل لتسنّم الدور القيادي في حياة الاَمة وتحمّل أعباء الرسالة بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
____________________
١) مسند أحمد ٤: ٤٣٩ ، وسنن الترمذي ٥: ٦٣٢ / ٣٧١٢ ، وخصائص النسائي: ٦٣ و ٧٥ والمصنف / ابن أي شيبة ٧: ٥٠٤ / ٥٨ ، دار الفكر - بيروت ط ١ والمعجم الكبير / الطبراني ١٨: ١٢٨ / ٢٦٥ وجامع الاصول ٨: ٦٥٢ / ٦٤٩٣.
٢) ترجمة الإمام عليعليهالسلام من تاريخ ابن عساكر ٣: ٥ / ١٠٣٠ و ١٠٣١ والرياض النضرة ٣: ١٣٨ وذخائر العقبى: ٧١ ومناقب الخوارزمي: ٤٢ والفردوس / الديلمي ٣: ٣٣٦ / ٥٠٠٩ ومناقب ابن المغازلي: ٢٠١ / ٢٣٨ وكفاية الطالب: ٢٦٠.
٣) مسند أحمد ٣: ٤٨٣ ومستدرك الحاكم ٣: ١٢٢ وصحّحه ودلائل النبوة / البيهقي ٥: ٣٩٥ والجامع الصغير ٢: ٥٤٧ / ٨٢٦٦ ومجمع الزوائد ٩: ١٢٩ والبداية والنهاية ٧: ٣٥٩ والرياض النضرة ٣: ١٢١ والصواعق المحرقة: ١٢٣ وغيرها.
الفصل الرابع
معطيات حبّ أهل البيت عليهمالسلام
حبّ أهل البيت عليهمالسلام مبدأ رسالي يتضمن أبعاداً مهمة وخطيرة ، لها آثارها في حياة الفرد المسلم وحياة المجتمع الاِسلامي ، فحبهم لم يكن مجرد علاقة قلبية أو ارتباط عاطفي يشدّنا إلى أفراد معينين لاَنهم قربى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وعترته ، بل إنّه تعلّق بحبل الله الممدود من السماء إلى الاَرض بعد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والذي يتحقق من خلاله ارتباط حياة الفرد والمجتمع بتعاليم السماء وبإرادة الخالق العزيز ، ذلك لاَنّهم عليهمالسلام يمثّلون الثقل الالهي في الاَرض وهم آيات الله والدّالون عليه وفيهم تتجسّد الصفات والكمالات التي يريدها الله تعالى.
فحبّهم يمثل في الواقع حبّ لله وللقيم الربانية والكمالات الالهية ، وهو يسمو بالمؤمن في مدارج الوصول إلى الكمال الذي يريده الله سبحانه.
ومن جانب آخر فان حبّهم عليهمالسلام يضمن سلامة الطريق المؤدي إلى الاَهداف التي تريدها الرسالة الاِسلامية ، ذلك لاَنّهم النبع الصافي والمصدر الاَمين لاَحكام الرسالة ومفاهيمها والانفتاح على قيمها
الاخلاقية وعطاءاتها التربوية ، وبذلك فان مودة أهل البيت عليهمالسلام ضمان لصيانة الشريعة الاِسلامية وخط الرسالة المحمدية وأفكارها وحفظ الاُمّة من الانحراف كي تسير في السبيل المستقيم الذي يؤمن لها الخير والكمال.
وفيما يلي أهم الآثار المترتبة على حبّ أهل البيت عليهمالسلام عترة النبي المصطفى المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) والمعطيات الدنيوية والاَخروية لمودتهم وفقاً لما جاء في النصوص الاسلامية :
إنّ حبّ أهل البيت عليهمالسلام يجسّد حبّ الله تعالى وحبّ رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في أجلى صوره ، وذلك غاية أمل المؤمنين ، قال تعالى: ( والَّذِينَ آمَنُوا أشدُّ حُبّاً للهِ ) (١) . وقال تعالى: ( قُلْ إن كُنتُم تُحبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُوني يُحببكُمُ اللهُ ) (٢) .
وقد تقدم في الفصل الثاني ما يدلُّ على أنّ حبّهم عليهمالسلام هو حبّ الله سبحانه ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
كما أن حبّهم عليهمالسلام من أكبر المصاديق للحبّ في الله ؛ لاَنّه حبٌّ يتوجه إلى أفراد يحبّهم الله ويندب إلى حبّهم ، وبغض أعدائهم يجسد البغض في الله ؛ لاَنّه بغضٌ يتوجه إلى أفراد يبغضهم الله ويأمر ببغضهم ، وذلك حقيقة الاِيمان وأوثق عراه ، قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أوثق عرى الاِيمان الحبّ والبغض في الله»(٣) .
____________________
١) سورة البقرة: ٢ / ١٦٥.
٢) سورة آل عمران: ٣ / ٣١.
٣) الكافي ٢: ١٢٥ - ١٢٦ / ٦ وكنز العمال ١: ٤٣ / ١٠٥ وبنحوه ٩: ٦ / ٢٤٦٥٧.
وعندما يكون حبّهم عليهمالسلام لله ننال به سعادة الدارين والقرب من منازل الصالحين ، قال الاِمام الحسين عليهالسلام : « من أحبّنا للدنيا ، فإنّ صاحب الدنيا يحبّه البر والفاجر ، ومن أحبنا لله كنّا نحن وهو يوم القيامة كهاتين » وقرن بين سبابتيه(١) .
لاريب أنّ الفرد المسلم بحاجة إلى المنهل الرائق والنبع الاَصيل الذي يضمن له معرفة الحق من الباطل ويحقق له أقرب الطرق التي تؤمّن الوصول إلى خير الدنيا والآخرة ، وبما أن الاِنسان يميل إلى الاَخذ ممن أحب وممّن تعلق قلبه به ، فان من يهوى أهل البيت عليهمالسلام سوف يأخذ العلم من أهله ، والدين من محله ، والتنزيل من مَنزِله ، والاعتقاد من أصله، وبذلك تكون محبتهم عليهمالسلام وقاءً وعاصماً من الانحراف في تيارات الباطل والفرق الضالة ، وتكون فيصلاً للدين الحق عن تمويهات المبطلين وتشبيهات المغرضين.
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : حبّ أهل بيتي وذريتي استكمال الدين(٢) .
إنّ حبّ أهل البيت عليهمالسلام والتمسك بولائهم هو أمر إلهي ورد في الكتاب الكريم وعلى لسان الرسول الاَعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم كما تقدم في الفصل الثاني من
____________________
١) المعجم الكبير / الطبراني ٣: ١٣٤ / ٢٨٨٠.
٢) أمالي الصدوق: ١٦١ / ١.
هذا البحث ، وعليه فان محبتهم طاعة لله تعالى وللرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم : ( وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقد فَازَ فَوزَاً عَظيماً ) (١) .
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مخاطباً أمير المؤمنين علي عليهالسلام : « يا علي ، من أحبكم وتمسك بكم ، فقد تمسك بالعروة الوثقى»(٢) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أحبّ أن يتمسك بالعروة الوثقى ، فليتمسك بحبّ علي وأهل بيتي»(٣) .
وقال أمير المؤمنين علي عليهالسلام : « العروة الوثقى المودة لآل محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم »(٤) .
قال أمير المؤمنين عليهالسلام : « إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا نزلت هذه الآية ( ألا بِذكرِ اللهِ تَطمَئنُّ القُلوبُ ) (٥) قال: ذاك من أحبّ الله ورسوله ، وأحبّ أهل بيتي صادقاً غير كاذب ، وأحب المؤمنين شاهداً وغائباً ، ألا بذكر الله يتحابون»(٦) .
وقال الاِمام الباقر عليهالسلام : « لا يحبّنا عبد ويتولانا حتى يطهّر الله قلبه ، ولا
____________________
١) سورة الاحزاب: ٣٣ / ٧١.
٢) كفاية الاَثر: ٧١ وارشاد القلوب / الديلمي: ٤١٥ ، منشورات الشريف الرضي - قم ط٢.
٣) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ٢: ٥٨ / ٢١٦ وينابيع المودة ٢: ٢٦٨ / ٧٦١.
٤) ينابيع المودة ١: ٣٣١ / ٢.
٥) سورة الرعد: ١٣ / ٢٨.
٦) كنز العمال ٢: ٤٤٢ / ٤٤٤٨ والدر المنثور ٤: ٦٤٢ عن ابن مردويه والجعفريات: ٢٢٤.
يطهّر الله قلب عبدٍ حتى يسلّم لنا ويكون سلماً لنا ، فإذا كان سلماً لنا سلّمه الله من شديد الحساب ، وآمنه من فزع يوم القيامة الاَكبر»(١) .
وقال الاِمام الصادق عليهالسلام : «لا يحبّنا عبدٌ إلاّ كان معنا يوم القيامة ، فاستظلّ بظلّنا ، ورافقنا في منازلنا»(٢) .
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أراد التوكل على الله فليحب أهل بيتي ، ومن أراد الحكمة فليحبّ أهل بيتي ، فوالله ما أحبّهم أحدٌ إلاّ ربح الدنيا والآخرة»(٣) .
وقال الاِمام الصادق عليهالسلام : « من أحبنا أهل البيت ، وحقّق حبنا في قلبه ، جرت ينابيع الحكمة على لسانه ، وجدّد الايمان في قلبه»(٤) .
قال أمير المؤمنين عليهالسلام للحارث الاَعور: « لينفعنّك حبنا عند ثلاث: عند نزول ملك الموت ، وعند مساءلتك في قبرك ، وعند موقفك بين يدي الله»(٥) .
____________________
١) الكافي ١: ١٩٤ / ١ باب أنّ الاَئمةعليهمالسلام نور الله عزّ وجلّ.
٢) دعائم الاِسلام / أبو حنيفة ١: ٧٣ ، دار المعارف - القاهرة وشرح الاَخبار في فضائل الاَئمة الاَطهار / أبو حنيفة ٣: ٤٧١ / ١٣٦٧ ، مؤسسة النشر الاِسلامي - قم ط١.
٣) مقتل الحسينعليهالسلام / الخوارزمي ١: ٥٩ ، مكتبة المفيد - قم والمناقب المائة: ١٠٦ وفرائد السمطين ٢: ٢٩٤/ ٥٥١ وينابيع المودة ٢: ٣٣٢ / ٩٦٩ وجامع الاَخبار: ٦٢ / ٧٧.
٤) المحاسن / البرقي ١: ١٣٤ / ١٦٧.
٥) أعلام الدين / الديلمي: ٤٦١.
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « شفاعتي لاُمتي من أحب أهل بيتي ، وهم شيعتي »(١) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « الزموا مودتنا أهل البيت ، فإنّه من لقي الله يوم القيامة وهو يودّنا دخل الجنة بشفاعتنا»(٢) .
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من مات على حب آل محمد مات شهيداً ، ألاومن مات على حبّ آل محمد مات مغفوراً له ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً ، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الايمان»(٣) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « حبنا أهل البيت يكفّر الذنوب ويضاعف الحسنات »(٤) .
وقال أمير المؤمنين عليهالسلام : « من أحبّنا أهل البيت عظم إحسانه ، ورجح
____________________
١) تاريخ بغداد ٢: ١٤٦ والجامع الصغير ٢: ٤٩.
٢) المعجم الاَوسط ٣: ٢٦ / ٢٢٥١ ومجمع الزوائد ٩: ١٧٢ وأمالي الشيخ المفيد: ١٣ / ١ وأمالي الشيخ الطوسي: ١٨٧ / ٣١٤ والمحاسن / البرقي ١: ١٣٤ / ١٦٩ وبشارة المصطفى لشيعة المرتضى / أبو جعفر الطبري: ١٠٠ ، المطبعة الحيدرية - النجف ط٢ وارشاد القلوب: ٢٥٤.
٣) الكشاف / الزمخشري ٤: ٢٢٠ - ٢٢١ والجامع لاحكام القرآن ١٦: ٢٣ وتفسير الرازي ٢٧: ١٦٥ وفرائد السمطين ٢: ٢٥٥ / ٥٢٤ وينابيع المودة ٢: ٣٣٣ / ٩٧٢ والعمدة / ابن البطريق: ٥٤ / ٥٢ وبشارة المصطفى: ١٩٧ وجامع الاَخبار: ٤٧٣ / ١٣٣٥ والفصول المهمة: ١١٠.
٤) أمالي الشيخ الطوسي: ١٦٤ / ٢٧٤ وارشاد القلوب / الديلمي: ٢٥٣.
ميزانه ، وقبل عمله ، وغفر زلله ، ومن أبغضنا لا ينفعه إسلامه»(١) .
وقال الاِمام الحسن عليهالسلام : « إنّ حبنا ليساقط الذنوب من ابن آدم كما يساقط الريح الورق من الشجر»(٢) .
وقال الاِمام الباقر عليهالسلام : « بحبّنا تغفر لكم الذنوب»(٣) .
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أكثركم نوراً يوم القيامة أكثركم حباً لآل محمد »(٤) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أما والله لا يحبّ أهل بيتي عبدٌ إلاّ أعطاه الله عزَّ وجل نوراً حتى يرد عليّ الحوض ، ولا يبغض أهل بيتي عبدٌ إلاّ احتجب الله عنه يوم القيامة»(٥) .
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ألا ومن أحب آل محمد أمن من الحساب والميزان والصراط»(٦) .
____________________
١) مشارق أنوار اليقين / البرسي: ٥١ ، مؤسسة الاَعلمي - بيروت.
٢) الاختصاص / المفيد: ٨٢ ، مكتبة الزهراءعليهاالسلام - قم ورجال الكشي / الطوسي: ١١١ - ١١٢ / ١٧٨ ، طبع مشهد.
٣) أمالي الطوسي: ٤٥٢ / ١٠١٠ وبشارة المصطفى: ٦٧.
٤) شواهد التنزيل ٢: ٣١٠ / ٩٤٨.
٥) شواهد التنزيل ٢: ٣١٠ / ٩٤٧.
٦) فضائل الشيعة / الصدوق: ٤٧ / ١ ، مؤسسة الاِمام المهديعليهالسلام - قم ط١ وأعلام الدين: ٤٦٤.
=
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أحبنا أهل البيت حشره الله تعالى آمناً يوم القيامة»(١) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « حبّي وحبّ أهل بيتي نافع في سبعة مواطن أهوالهنّ عظيمة: عند الوفاة ، وفي القبر ، وعند النشور ، وعند الكتاب ، وعند الحساب ، وعند الميزان ، وعند الصراط»(٢) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أثبتكم قدماً على الصراط أشدّكم حُباً لاَهل بيتي»(٣) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما أحبّنا أهل البيت أحدٌ فزلّت به قدم ، إلاّ ثبّتته قدمٌ أُخرى ، حتى ينجيه الله يوم القيامة»(٤) .
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « ألا ومن مات على حبّ آل محمد بشّره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير ، ألا ومن مات على حب آل محمد يزفُّ إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومن مات على حبّ آل محمد فتح له من قبره بابان إلى الجنة ، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومن مات على حبّ آل محمد مات على
____________________
=
وبشارة المصطفى: ٣٧ ومائة منقبة: ٩٣ وارشاد القلوب: ٢٣٥ وفرائد السمطين ٢: ٢٥٨ / ٥٢٦ ومقتل الحسينعليهالسلام / الخوارزمي ١: ٤٠ والمناقب له أيضاً: ٧٣ / ٥١.
١) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ٢: ٥٩ / ٢٢٠.
٢) روضة الواعظين: ٢٧١ وأمالي الصدوق: ١٨ / ٣ والخصال: ٣٦٠ / ٤٩ وبشارة المصطفى: ١٧ - ١٨ وجامع الاَخبار: ٥١٣ / ١٤٤١ وكفاية الاَثر: ١٠٨.
٣) كنز العمال ١٢: ٩٧ / ٣٤١٦٣ والصواعق المحرقة: ١٨٧.
٤) درر الاَحاديث النبوية بالاَسانيد اليحيوية / يحيى بن الحسين: ٥١ ، مؤسسة الاَعلمي - بيروت ط١.
السُنّة والجماعة»(١) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أحبنا لله أسكنه الله في ظلٍّ ظليل يوم القيامة يوم لاظلّ إلاّ ظلّه ، ومن أحبنا يريد مكافأتناكافأه الله عنّا الجنّة»(٢) .
وعن حذيفة قال: رأيت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أخذ بيد الحسين بن علي فقال: « أيُّها الناس ، جدّ الحسين أكرم على الله من جدّ يوسف بن يعقوب ، وإنّ الحسين في الجنة ، وأباه في الجنة ، وأُمّه في الجنة ، وأخاه في الجنة ، ومحبهم في الجنة ، ومحب محبهم في الجنة»(٣) .
وقال الاِمام الصادق عليهالسلام : « والله لا يموت عبدٌ يحبّ الله ورسوله ويتولى الاَئمة فتمسّه النار»(٤) .
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « يرد عليَّ الحوض أهل بيتي ومن أحبّهم من أُمتي كهاتين » يعني السبّابتين(٥) .
وعن أمير المؤمنين عليهالسلام قال: « إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أخذ بيد الحسن والحسين ، فقال: من أحبني وأحبّ هذين وأباهما وأُمهما ، كان معي في
____________________
١) الكشاف / الزمخشري ٤: ٢٢٠ - ٢٢١ ومصادر أُخرى ذكرناها في الفقرة (١٠).
٢) الفصول المهمة: ٢٠٣ ونور الاَبصار: ١٥٤.
٣) مقتل الحسينعليهالسلام / الخوارزمي ١: ٦٧.
٤) رجال النجاشي ١: ١٣٨ ، دار الاضواء - بيروت ط١ وشرح الاَخبار ٣: ٤٦٣ / ١٣٥٥.
٥) مقاتل الطالبيين / أبو الفرج الاَصفهاني: ٧٦ ، مؤسسة الاَعلمي - بيروت ط٢ وشرح ابن أبي الحديد ١٦: ٤٥ وذخائر العقبى: ١٨ والغارات ٢: ٥٨٦.
درجتي يوم القيامة»(١) .
وقال عليهالسلام : « من أحبّنا كان معنا يوم القيامة ، ولو أن رجلاً أحبّ حجراً لحشره الله معه»(٢) .
وقال الاِمام الصادق عليهالسلام : « من أحبّنا ، لم يحبّنا لقرابة بيننا وبينه ، ولا لمعروف أسديناه إليه، إنّما أحبنا لله ولرسوله ، فمن أحبنا جاء معنا يوم القيامة كهاتين » وقرن بين سبّابتيه(٣) .
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من رزقه الله حب الاَئمة من أهل بيتي ، فقد أصاب خير الدنيا والآخرة ، فلا يشكّنّ أحدٌ أنه في الجنة ، فإنّ في حبّ أهل بيتي عشرين خصلة ، عشر منها في الدنيا ، وعشر منها في الآخرة.
أما التي في الدنيا: فالزهد ، والحرص على العمل ، والورع في الدين ، والرغبة في العبادة ، والتوبة قبل الموت ، والنشاط في قيام الليل ، واليأس ممّا في أيدي الناس ، والحفظ لاَمر الله ونهيه عزَّ وجل ، والتاسعة بغض الدنيا ، والعاشرة السخاء.
وأما التي في الآخرة: فلا ينشر له ديوان ، ولا ينصب له ميزان ، ويعطى
____________________
١) مسند أحمد ١: ٧٧ وسنن الترمذي ٥: ٦٤١/ ٣٧٧٣ وفضائل الصحابة / أحمد بن حنبل ٢: ٦٩٤/ ١١٨٥ وتاريخ بغداد ١٣: ٢٨٧ ومناقب الخوارزمي: ١٣٨/ ١٥٦ وأمالي الصدوق: ١٩٠ / ١١ وبشارة المصطفى: ٣٢.
٢) أمالي الصدوق: ١٧٤ / ٩ وروضة الواعظين: ٤٥٧ ومشكاة الاَنوار في غرر الاَخبار / الطبرسي: ٨٤ - المكتبة الحيدرية ط٢.
٣) أعلام الدين: ٤٦٠.
كتابه بيمينه ، وتكتب له براءة من النار ، ويبيَضّ وجهه ، ويكسى حلل من حلل الجنّة ، ويُشفّع في مائة من أهل بيته ، وينظر الله عزَّ وجلّ إليه بالرحمة ، ويُتَوّج من تيجان الجنة ، والعاشرة يدخل الجنة بغير حساب ، فطوبى لمحبي أهل بيتي»(١) .
وواضح من هذا الحديث ومما تقدم من أحاديث هذا الفصل أنّ حبّ أهل البيت عليهمالسلام يعني حبّ خصال الخير ومكارم الاَخلاق التي ندب إليها الله تعالى ورسوله الكريم صلىاللهعليهوآلهوسلم كالزهد ، والورع في الدين ، والرغبة في العبادة ، والتوبة قبل الموت ، وقيام الليل ، وغيرها ممّا يؤدي بالعبد إلى منازل الاَخيار والفوز بالرضوان.
ومن هنا يتضح أيضاً أن إيجاب حبّهم عليهمالسلام يعني إيجاب التمسّك بهم كقادة رساليين يمثلون إرادة الحق وسُنّة سيد المرسلين صلىاللهعليهوآلهوسلم لاِقامة دعائم الدين وتهذيب النفوس لتبلغ منازل الكمال التي أرادها الله تعالى لها.
وكذلك وجوب محبة شيعتهم والتبري من أعدائهم ؛ لاَنّ مجرد حبّهم عليهمالسلام دون العمل بما يقتضيه ذلك الحبّ لا يغني عن صاحبه شيئاً ولا يوصله إلى نيل المعطيات التي أشرنا إليها في هذا الفصل.
ولهذا ورد عن الاِمام الصادق عليهالسلام أنّه قال: « ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت ، لاَنّك لا تجد أحداً يقول: أنا أبغض محمداً وآل محمد ؛ ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنّكم تتوالونا وتتبرأون من أعدائنا»(٢) .
____________________
١) الخصال: ٥١٥ / ١ وروضة الواعظين: ٢٩٨.
٢) معاني الاَخبار: ٣٦٥ / ١ وصفات الشيعة: ٩ / ١٧.
وجاء عن الاِمام أبي الحسن الكاظم عليهالسلام أنّه قال: « من عادى شيعتنا فقد عادانا ، ومن والاهم فقد والانا ؛ لاَنّهم منّا ، خلقوا من طينتنا ، من أحبّهم فهو منّا ، ومن أبغضهم فليس منّا ...»(١) .
____________________
١) صفات الشيعة: ٣ - ٤/ ٥.
الفصل الخامس
أهل البيت عليهمالسلام بين الغلو والبغض
مما لاشك فيه أن خصال الخير والمكارم تقع بين محذورين أو قل بين رذيلتين ، فالشجاعة تقع بين التهور والجبن ، والكرم يقع بين البخل والاسراف ، والاعتدال في حبّ أهل البيت عليهمالسلام يقع بين الغلو والبغض ، وقد نبّه النبي المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم والاَئمة الهداة عليهمالسلام على هلاك الغالين والمبغضين ونجاة المعتدلين في حبهم عليهمالسلام .
قال أمير المؤمنين عليهالسلام : « قال لي النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : فيك مثلٌ من عيسى ، أبغضته اليهود حتى بهتوا أُمّه ، وأحبّته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليس به ».
ثم قال عليهالسلام : « يهلك فيَّ رجلان: محبّ مفرط يقرظني بما ليس فيَّ ، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني »(١) .
____________________
١) مسند أحمد ١: ١٦٠ والصواعق المحرقة: ١٢٣ ومسند أبي يعلى ١: ٤٠٦ / ٥٣٤ وترجمة أمير المؤمنينعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق ٢: ٢٣٧ / ٧٤٢ وأمالي الطوسي ٢٥٦ / ٤٦٢ والسُنّة / ابن أبي عاصم: ٤٧٠ / ١٠٠٤ ، المكتب الاِسلامي - بيروت ط٢.
وعليه فلابدّ من بيان منازل حبهم عليهمالسلام ليتسنى لنا الامساك بالنمط الاَوسط والنمرقة الوسطى التي بها يلحق التالي وإليها يرجع الغالي.
الغلوّ في اللغة: هو مجاوزة الحدّ والخروج عن القصد(١) ، قال تعالى: ( يا أهلَ الكِتابِ لا تَغلُوا في دِينِكُم وَلا تَقُولُوا عَلى اللهِ إلاّ الحَقَّ إنَّما المسِيحُ عِيسَى ابنُ مَريمَ رَسُولُ اللهِ وكلِمَتُهُ ألقاهآ إلى مَريَمَ ورُوحٌ مِّنهُ فامِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيراً لَّكُم إنَّما الله إلهٌ واحِدٌ سُبحَانَهُ أن يَكونَ لَهُ وَلَدٌ ) (٢) .
قال الشيخ المفيد رضياللهعنه : فنهى عن تجاوز الحدّ في المسيح ، وحذّر من الخروج عن القصد في القول ، وجعل ما ادّعته النصارى فيه غلوّاً لتعدّيه الحدّ(٣) .
والغلوّ في الاصطلاح: هو مجاوزة الحدّ المعقول والمفروض في العقائد الدينية والواجبات الشرعية.
والغالي عند الشيعة الاِمامية: من يقول في أهل البيت عليهمالسلام ما لا يقولون في أنفسهم كما يدّعون فيهم النبوة والاُلوهية(٤) .
قال الاِمام الصادق عليهالسلام : « لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، لعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا ، وإليه مآبنا ومعادنا ، وبيده
____________________
١) لسان العرب ١٥: ٢ - غلا - ومختار الصحاح: ٤٨٠.
٢) سورة النساء: ٤ / ١٧١.
٣) تصحيح الاعتقاد / المفيد: ١٠٩ ، سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد ، دار المفيد - بيروت ط٢.
٤) مجمع البحرين / فخر الدين الطريحي - غلو - ٢: ١٣٣٢ ، مؤسسة البعثة - قم ط١.
نواصينا»(١) .
الغلوّ ظاهرة غير طبيعية تنمُّ عن الانحطاط الفكري والفساد العقيدي ، ومردّ هذا الفساد إلى عدم فهم الدين والابتعاد عن حقيقة العبودية لله والانبهار بكرامات المخلوق دون معجزات الخالق.
وقد نشأ الغلو لاَسباب عديدة ، منها الرواسب والآثار الفكرية المتسربة من الاَديان السابقة ، وقد أشار الكتاب الكريم إلى وجود هذا الانحراف عند أهل الكتاب كما مرَّ في الآية المتقدمة وفي قوله تعالى: ( لَّقد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ هُوَ المسِيحُ ابنُ مَريَمَ ) (٢) .
ومنها أسباب سياسية تهدف إلى التسلط على رقاب الناس وطلب الرئاسة والزعامة ، أو إلى الحط من مكانة الاَشخاص الذين يغالون فيهم وتشويه سمعتهم والتقليل من شأنهم وتكفيرهم ، أو إلى اتهام إحدى الفرق بتأليه البشر لافساد عقيدتها وتشويه مبادئها وابعاد الناس عنها.
قال الاِمام الرضا عليهالسلام : « إنّ مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا ، وجعلوها على ثلاثة أقسام: أحدها الغلو ، وثانيها التقصير في أمرنا ، وثالثها التصريح بمثالب أعدائنا ، فإذا سمع الناس الغلو فينا كفّروا شيعتنا ونسبوهم إلى القول بربوبيتنا ، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا ، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ :
____________________
١) بحار الانوار / المجلسي ٢٥: ٢٩٧ / ٥٩ عن رجال الكشي ، مؤسسة الوفاء - بيروت ط٢.
٢) سورة المائدة: ٥ / ١٧.
( ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدَواً بِغيرِ عِلمٍ ) (١) .
ومنها المصالح المادية والاَطماع الشخصية الهادفة إلى ابتزاز أموال الناس وأكلها بالباطل ، ومنها النزوات الفردية الدنيئة الناشئة من الشذوذ الخلقي والعقد النفسية التي دعت أصحابها إلى التمرد على شرعة الخالق العزيز ، فأباحوا المحرمات واستخفوا بالعبادات وركنوا إلى اللهو والدعة ، ولجميع الاَسباب التي ذكرناها وبشكل عام يمكن القول إن الغلو بمظاهره المختلفة ظاهرة طارئة نشأت بدعم منظّم من قبل أعداء الاِسلام الذين عجزوا عن مواجهته في مواطن الوغى وساحات القتال ، فظلّوا يكيدون له ويتربصون به الدوائر ، ليسلبوا مبادىَ الاِسلام من نفوس أبنائه ، ويشوهوا أساسياته وضرورياته ومعتقداته ، ولم يتم لهم مرادهم ، فقد قطع الاَئمة الهداة عليهمالسلام الطريق أمام هذا الداء الوبيء وحاربوه بكل ما أُتيح لهم من عناصر القوة والامكان.
أهمّ مقولات الغلاة هو القول بأُلوهية النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والاَئمة عليهمالسلام وبكونهم شركاء لله سبحانه في الربوبية ، وكونهم يرزقون ويخلقون ، وأن الله تعالى حلّ فيهم أو اتحد بهم ، وانهم يعلمون الغيب من غير وحي أو إلهام، والاعتقاد بكونهم من القدم مع نفي الحدوث عنهم ، والقول بأن معرفتهم تغني عن جميع الطاعات والعبادات ، ولا تكليف مع تلك المعرفة ، والقول بأنّ الله فوض إليهم أمر العباد بالتفويض المطلق على جهة
____________________
١) عيون أخبار الرضاعليهالسلام ١: ٢٣٧ / ٦٣ وبشارة المصطفى: ٢٢١ والآية من سورة الانعام: ٦ / ١٠٨.
الاستقلال ، والقول بأن الاَئمة عليهمالسلام أنبياء ، والقول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض ، وإنكار موتهم وشهادتهم بمعنى أنهم لم يُقتلوا بل شبّه لقاتليهم، وتفضيل الاَئمة عليهمالسلام على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في العلم أو الشجاعة وغيرها من مكارم الاخلاق ، إلى غير ذلك من العقائد الفاسدة التي تنقص من عظمة الخالق وقدرته وشأنه وإنزال المخلوق بمنزلته تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، أو تلك التي تفرّط في حق الاَئمة عليهمالسلام وتنزلهم في غير المنزلة التي جعلها الله لهم والرتبة التي خصّهم بها.
وفِرق الغلاة كثيرة نشأت في أدوار مختلفة ، منهم البيانية والخطابية والشعيرية والمغيرية والبائية والغرابية والعليائية والمخمسة والبزيعية والمنصورية(١) ، وغيرهم من فرق الضلال التي انقرضت جميعاً والحمد لله.
ومن يدين ولو ببعض معتقداتهم فهو كافر ملعون خارج عن الاِسلام بنصّ الكتاب الكريم والسُنّة المطهّرة وإجماع الطائفة المحقّة الاثني عشرية على ما سيأتي بيانه.
وقف أهل البيت عليهمالسلام موقفاً صريحاً مضاداً لحركة الغلو ، فاجتهدوا في محاربته ، وبذلوا كل ما بوسعهم للقضاء على الغلو والغلاة والحيلولة دون انتشاره ، وبينوا أن الغلو كفر وشرك وخروج عن الاِسلام ، ولعنوا الغلاة وتبرّءوا منهم ، وقطع الطريق أمامهم وكشفوا عن تمويهاتهم وأكاذيبهم ،
____________________
١) راجع ، الفرق بين الفرق / البغدادي والمقالات والفرق/ الاَشعري وفرق الشيعة/ النوبختي والملل والنحل / الشهرستاني وموسوعة الفرق الاِسلامية / محمد جواد مشكور.
وحذّروا شيعتهم منهم ، وفيما يلي طائفة من الاخبار الواردة في هذا الشأن.
١ - قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « إياكم والغلو ، فإنّما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»(١) .
٢ - وقال أمير المؤمنين عليهالسلام : « بني الكفر على أربع دعائم: الفسق ، والغلو ، والشك ، والشبهة»(٢) .
٣ - وقال عليهالسلام : « إياكم والغلو فينا ، قولوا: عبيد مربوبون ، وقولوا في فضلنا ما شئتم »(٣) .
٤ - وقال الاِمام الصادق عليهالسلام :« قل للغالية توبوا إلى الله ، فانكم فسّاق كفار مشركون »(٤) .
٥ - وقال عليهالسلام : « لعن الله عبدالله بن سبأ ، إنّه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين عليهالسلام ، وكان والله أمير المؤمنين عليهالسلام عبداً لله طائعاً ، الويل لمن كذب علينا ، وإنّ قوماً يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، نبرأ إلى الله منهم ، نبرأ إلى الله منهم »(٥) .
٦ - وعنه عليهالسلام وقد سأله سدير: إنّ قوماً يزعمون أنكم آلهة ، يتلون بذلك
____________________
١) الطبقات الكبرى / ابن سعد ٢: ١٨٠ - ١٨١ والسنن الكبرى / البيهقي ٥: ١٢٧.
٢) اُصول الكافي ٢: ٣٩١ / ١.
٣) الخصال: ٦١٤ / ١٠ وتحف العقول عن آل الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم / ابن شعبة الحراني: ١٠٤ ، المطبعة الحيدرية - النجف الاَشرف ط٥ وغرر الحكم: ٢٧٤٠.
٤) رجال الكشي: ٢٩٧ / ٥٢٧.
٥) رجال الكشي: ١٠٦ / ١٧٠ - ١٧٤.
علينا قرآناً ( وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الاَرضِ إلَهٌ ) (١) ؟ فقال عليهالسلام : « ياسدير ، سمعي وبصري وبشري ولحمي ودمي وشعري من هؤلاء براء ، وبريء الله منهم ، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي ، والله لا يجمعني الله وإياهم يوم القيامة إلاّ وهو ساخط عليهم »(٢) .
٧ - وقال عليهالسلام : « احذروا على شبابكم الغلاة لا يفسدونهم ، فان الغلاة شرّ خلق الله ، يصغّرون عظمة الله ويدّعون الربوبية لعباد الله ، والله إنّ الغلاة شرّ من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا»(٣) .
وقف أتباع مذهب أهل البيت عليهمالسلام من أعلام الفرقة المحقّة موقفاً واضحاً وصريحاً من حركة الغلو والغلاة ، يستند إلى الاخبار الواردة عن أئمة أهل البيت عليهمالسلام ، فأجمعوا على البراءة من مقولاتهم الفاسدة ولعنوهم وبينوا كذبهم وافتراءاتهم في العديد من كتب العقائد والكلام ، واليك نماذج من أقوالهم.
قال الشيخ الصدوق رضياللهعنه : (اعتقادنا في الغلاة والمفوضة أنهم كفار بالله تعالى ، وأنهم شرّ من اليهود والنصارى والمجوس والقدرية والحرورية ، ومن جميع أهل البدع والاَهواء والمضلّة)(٤) .
وقال الشيخ المفيد رضياللهعنه : (والغلاة من المتظاهرين بالاِسلام ، هم الذين
____________________
١) سورة الزخرف: ٤٣ / ٨٤.
٢) اُصول الكافي ١: ٢٦٩ / ٦.
٣) أمالي الطوسي: ٦٥٠ / ١٣٤٩.
٤) اعتقادات الصدوق: ٩٧ / ٣٧ ، المؤتمر العالمي لاَلفية الشيخ المفيد - قم ط١.
نسبوا أمير المؤمنين والاَئمة من ذريته عليهمالسلام إلى الاَُلوهية والنبوة... وهم ضلاّل كفّار ، حكم فيهم أمير المؤمنين عليهالسلام بالقتل والتحريق بالنار ، وقضت الاَئمة عليهمالسلام عليهم بالاكفار والخروج عن الاِسلام)(١) .
وقال الشيخ المظفر رضياللهعنه : (لا نعتقد في أئمتنا عليهمالسلام ما يعتقده الغلاة والحلوليين ( كَبُرت كَلِمةً تَخرُجُ مِن أفوَاهِهِم ) بل عقيدتنا الخاصة أنّهم بشر مثلنا ، لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا ، وإنّما هم عباد مكرمون ، اختصّهم الله تعالى بكرامته ، وحباهم بولايته ، إذ كانوا في أعلى درجات الكمال اللائقة في البشر من العلم والتقوى والشجاعة والكرم والعفّة وجميع الاخلاق الفاضلة والصفات الحميدة ، لا يدانيهم أحدٌ من البشر فيما اختصوا به.
قال إمامنا الصادق عليهالسلام : « ما جاءكم عنّا ممّا يجوز أن يكون في المخلوقين ولم تعلموه ولم تفهموه فلا تجحدوه وردوه إلينا ، وما جاءكم عنا مما لا يجوز أن يكون في المخلوقين فاجحدوه ولا تردوه إلينا »(٢) .
وقال الشيخ كاشف الغطاء في معرض حديثه عن الغلاة ومقالاتهم: (أما الشيعة الاِمامية وأئمتهم عليهمالسلام فيبرأون من تلك الفرق براءة التحريم... ويبرأون من تلك المقالات ، ويعدونها من أشنع الكفر والضلالات ، وليس دينهم إلاّ التوحيد المحض، وتنزيه الخالق عن كل مشابهة للمخلوق..)(٣) .
____________________
١) تصحيح الاعتقاد: ١٣١ فصل في الغلو والتفويض.
٢) عقائد الاِمامية / الشيخ المظفر: ٣٢٦ / ٢٨ عقيدتنا في الاَئمةعليهمالسلام ، مؤسسة الاِمام عليعليهالسلام - قم ط١.
٣) أصل الشيعة وأصولها / الشيخ كاشف الغطاء: ١٧٣ - ١٧٧ ، مؤسسة الاِمام عليعليهالسلام - قم ط١.
إلى جانب الغلو في النبي والاَئمة عليهمالسلام فان البعض يقصّر في حقهم وينتقص من قدرهم ويحط من مكانتهم الحقّة عند الله تعالى ومنزلتهم ودورهم في تبليغ الرسالة والحفاظ عليها وتنفيذ أحكامها ، منكرين ماينسب إليهم من معاجز وكرامات ذهبت بها الركبان وشهد لها الموالف والمخالف ، فجعلوهم كسائر الناس ، والاَنكى من ذلك أن البعض من الناصبة قد يصل إلى حد البغض المقيت والحقد الدفين لكلِّ ما يمت إلى أهل البيت عليهمالسلام من عقائد ومكارم وفضائل ولكلِّ من يدين بحبهم ويقتدي بهم كقادة رساليين انتجبهم الله تعالى لتبليغ دينه واتمام رسالته.
وبغضهم عليهمالسلام عصيان لاَمر الله تعالى ولاَمر رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم القاضي بمحبتهم والتمسك بحبلهم والاقتداء بهديهم ، وهو بغض لله تعالى ولرسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال الرسول الاَكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم مشيراً إلى أهل البيت عليهمالسلام : « من أبغضهم فقد أبغضني »(١)
، وقال الاِمام الرضا عليهالسلام : « من أبغضكم فقد أبغض الله»(٢) ، وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من سبّ علياً فقد سبّني ، ومن سبني فقد سبّ الله »(٣) .
وبغضهم عليهمالسلام من علامات النفاق والشقاء ورداءة الولادة ، قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «من أبغضنا أهل البيت فهو منافق»(٤) .
____________________
١) ترجمة الاِمام الحسينعليهالسلام من تاريخ مدينة دمشق: ٩١ / ١٢٦.
٢) عيون أخبار الرضاعليهالسلام : ٢ / ٢٧٩.
٣) المستدرك / الحاكم ٣: ١٢١ وكنز العمال ٦: ٤٠١ ومسند أحمد ٦: ٣٢٣ وخصائص النسائي: ٢٤.
٤) فضائل الصحابة ٢: ٦٦١ / ١١٢٦. والدر المنثور ٦: ٧. وكشف الغمة ١: ٤٧. وذخائر العقبى: ١٨.
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا يبغضنا إلاّ منافق شقي »(١) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا يبغضهم إلاّ شقي الجَدّ رديء الولادة »(٢) .
إذا كانت مودة أهل البيت عليهمالسلام تضمن للمرء سعادة الدارين ، فإن بغضهم ونصب العداء لهم يوجب الخروج عن الملّة ودخول النار وغضب الجبّار والشقاء الاَبدي كما هو مدلول الاَحاديث الصحيحة الآتية :
١ - قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « والذي نفسي بيده ، لا يبغضنا أهل البيت أحدٌ إلاّ أدخله الله النار»(٣) .
٢ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «صنفان من أُمتي لا نصيب لهما في الاِسلام: الناصب لاَهل بيتي حرباً ، وغالٍ في الدين مارقٌ منه»(٤) .
٣ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم مشيراً إلى الحسن والحسين عليهماالسلام : « من أبغضهما فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله ، ومن أبغض الله أدخله النار»(٥) .
____________________
١) ذخائر العقبى: ١٨ وينابيع المودة ٢: ١٣٤ / ٣٨١ والصواعق المحرقة: ٢٣٠.
٢) الرياض النضرة ٢: ١٨٩ وأرجح المطالب: ٣٠٩ ومناقب العشرة: ١٨٩.
٣) المستدرك / الحاكم ٣: ١٦٢ / ٤٧١٧ وصححه والدر المنثور ٦: ٧ والصواعق المحرقة: ١٤٣ والخصائص الكبرى ٢: ٢٦٦ وسير أعلام النبلاء ٢: ١٢٣ وغيرها.
٤) من لا يحضره الفقيه ٣: ٢٥٨ / ١٠ كتاب النكاح ، باب ما أحلَّ الله عزّ وجلَّ من النكاح وماحرّم منه.
٥) مسند أحمد ٢: ٢٨٨ والمستدرك / الحاكم ٣: ١٦٦ وسنن الترمذي ٢: ٢٤ و ٣٠٧ والمعجم الكبير: ١٣٣ وكنز العمال ١٣: ١٠٥ ومجمع الزوائد ٩: ١٨١ وذخائر العقبى: ١٢٣ وتاريخ بغداد ١: ١٤١.
٤ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أبغضهم أبغضه الله »(١) .
٥ - وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أبغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهودياً » قال جابر بن عبدالله الانصاري: فقلت: يا رسول الله ، وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم ؟ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « وان صام وصلّى وزعم أنه مسلم »(٢) .
٦ - وقال أمير المؤمنين عليهالسلام : « لمبغضينا أفواج من سخط الله »(٣) .
٧ - وقال الاِمام الباقر عليهالسلام : « جاء رجل إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا رسول الله ، أكلّ من قال لا إله إلاّ الله مؤمن ؟ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : إن عداوتنا تلحق باليهود والنصارى »(٤) .
مما تقدم تبين لنا أن النجاة تتمثل في الاعتدال بحبهم عليهمالسلام ، فهو الحدّ الوسط الذي يقع بين الافراط والتفريط ، وهو الحبّ الذي أُمرنا به ، وعلينا أن ندين به ونلقى الله عليه ، وهو حبّ لله وفي الله سبحانه.
قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « يا علي ، ان فيك مثلاً من عيسى بن مريم ، أحبّه قوم فأفرطوا في حبّه فهلكوا فيه ، وأبغضه قوم فأفرطوا في بغضه فهلكوا فيه ، واقتصد فيه قوم فنجوا»(٥) .
____________________
١) كنز العمال ١٢: ٩٨ / ٣٤١٦٨ وبشارة المصطفى: ٤٠.
٢) المعجم الاوسط / الطبراني ٤: ٣٨٩ / ٤٠٠٢ وأمالي الصدوق: ٢٧٣ / ٢ وروضة الواعظين: ٢٩٧ ومجمع الزوائد ٩: ١٧٢.
٣) تحف العقول: ١١٦ والخصال: ٦٢٧ / ١٠ وغرر الحكم: ٧٣٤٢.
٤) أمالي الصدوق: ٢٢١ / ١٧ وبشارة المصطفى: ١٢٠.
٥) أمالي الطوسي: ٣٤٥. وكشف الغمة ١: ٣٢١ وتقدم في أول الفصل قريب منه ومن مصادر أُخرى.
وقال الاِمام أمير المؤمنين عليهالسلام : « أحبونا بحبّ الاِسلام ، فان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: لاتعرّفوني فوق حقي ، فإنّ الله تعالى اتخذني عبداً قبل ان يتخذني رسولاً »(١) .
وقال أمير المؤمنين عليهالسلام : « سيهلك فيَّ صنفان: محبّ مفرط يذهب به الحبّ إلى غير الحق ، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق ، وخير الناس فيَّ حالاً النمط الاَوسط فالزموه »(٢) .
وقال عليهالسلام : « يهلك فينا أهل البيت فريقان: محبّ مطري ، وباهت مفتري »(٣) .
وقال الاِمام الرضا عليهالسلام : « نحن آل محمد النمط الاَوسط الذي لا يدركنا الغالي ولا يسبقنا التالي »(٤) .
اللهمَّ اجعلنا أنصار صدق لهم، وأمتنا على محبّتهم، واحشرنا على موالاتهم ، إنّك نعم المولى ونعم النصير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين
وأفضل الصلاة وأتم التسليم
على محمد المصطفى
وآله الهداة الميامين
____________________
١) المعجم الكبير / الطبراني ٣: ١٣٨ / ٢٨٨٩.
٢) نهج البلاغة: الخطبة (١٢٧).
٣) السنة / ابن أبي عاصم: ٤٧٠ / ١٠٠٥.
٤) اُصول الكافي ١: ١٠١ / ٣ باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى.
الفهرس
مودة أهل البيت عليهمالسلام وفضائلهم في الكتاب والسُنّة اصدار مركز الرسالة ٣
مقدمة المركز : ٤
المقدِّمة ٦
الفصل الاَول من هم أهل البيت ؟ ٨
المبحث الاَول أهل البيت في اللغة والاصطلاح أولاً: أهل البيت في اللغة والعرف : ٩
ثانيا: أهل البيت في اصطلاح الكتاب والسُنّة : ١٢
المبحث الثاني أهل البيت في آية التطهير ١٤
حديث الكساء بين الرواة والمصادر : رواة الحديث من الفريقين : ١٦
مصادر حديث الكساء : ١٨
صحة الحديث : ٢٢
التشكيك في مفهوم أهل البيت : ٢٣
الفصل الثاني حبّ أهل البيت عليهمالسلام في الكتاب والسُنّة ٣٦
المبحث الاَول حب أهل البيت: في القرآن الكريم ١ - قوله تعالى: ( قل لا أسالكم عليه أجراً إلا المودة في القربى )(١) ٣٨
ما روي عن أئمة أهل البيت عليهمالسلام في هذه الآية : ٤٠
تأويلات أُخرى في الآية : ٤٢
شبهات وردود : الاُولى: سورة الشورى مكية : ٤٦
الثانية: الآية لا تتناسب مع مقام النبوة ومنافية لبعض الآيات : ٤٨
٢ - قوله تعالى: ( إنَّ الَّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجعلُ لَهُمُ الرَّحمنُ ودَّاً )(١) ٥١
٣ - قوله تعالى: ( مَن جَاءَ بِالحَسنَةِ فَلَهُ خَيرٌ مِّنهَا... )(١) . ٤-قوله تعالى: ( الَّذينَ آمنُوا وتَطمئنُّ قُلُوبُهم بِذِكرِ اللهِ ألا بِذِكرِ اللهِ تطمئنُّ القُلُوبُ )(٤) ٥٢
المبحث الثاني حبّ أهل البيت عليهمالسلام في السُنّة المطهّرة ٥٣
الحثّ على محبتهم عليهمالسلام : حبّهم حبّ الله ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : ٥٤
حبّهم أساس الاِسلام : ٥٥
حبّهم عبادة : حبّهم علامة الايمان : ٥٦
حبّهم علامة طيب الولادة : ٥٧
حبهم ممّا يُسأل عنه يوم القيامة : ٥٩
حبُّ الاِمام علي عليهالسلام : فضل حبه عليهالسلام : ٦٠
لماذا نحبُّ علياً عليهالسلام ؟ أولاً: حبّه عليهالسلام أمر إلهي : ٦١
ثانياً: إنّ الله تعالى ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم يحبان أمير المؤمنين عليهالسلام : ١ - حديث الطائر : ٢ - حديث الراية : ٦٢
ثالثاً: حبّه حبٌ لله ولرسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : ٦٣
رابعاً: حبّه إيمان وبغضه نفاق : ٦٤
حب فاطمة الزهراء عليهاالسلام : ٦٧
حبّ السبطين الحسن والحسين عليهماالسلام : ٧٠
المبحث الثالث حب أهل البيت عليهمالسلام في الشعر العربي ٧٣
الفصل الثالث فضائل أهل البيت عليهمالسلام في القرآن والسُنّة ٩١
المبحث الاَول فضائل أهل البيت عليهمالسلام في القرآن الكريم ٩٢
عليٌ عليهالسلام في القرآن : ٩٨
المبحث الثاني فضائل أهل البيت عليهمالسلام في السُنّة المطهّرة ١٠٤
فضائل أمير المؤمنين عليهالسلام : ١٠٨
الفصل الرابع معطيات حبّ أهل البيت عليهمالسلام ١١٢
١ - حبّ أهل البيت عليهمالسلام حبّ لله وفي الله : ١١٤
٢ - معرفة الحق والسلامة من الانحراف : ٣ - استكمال الدين : ٤ - طاعة الله تعالى ورسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : ١١٥
٥ - التمسّك بالعروة الوثقى : ٦ - اطمئنان القلب وطهارته : ١١٦
٧ - الحكمة : ٨ - الاغتباط عند الموت : ١١٧
٩ - الشفاعة يوم القيامة : ١٠ - التوبة والمغفرة وقبول الاَعمال : ١١٨
١١ - نور يوم القيامة : ١٢ - الاَمن من أهوال القيامة : ١١٩
١٣ - دخول الجنة والنجاة من النار : ١٢٠
١٤ - الحشر مع النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وآله عليهمالسلام : ١٢١
١٥ - خير الدنيا والآخرة : ١٢٢
الفصل الخامس أهل البيت عليهمالسلام بين الغلو والبغض ١٢٥
الغلوّ : ١٢٦
أسباب نشوء الغلوّ : ١٢٧
مقولات الغلاة وفرقهم : ١٢٨
موقف أهل البيت عليهمالسلام من الغلاة : ١٢٩
موقف أعلام الاِمامية من الغلاة : ١٣١
بغض أهل البيت عليهمالسلام : ١٣٣
آثار بغضهم عليهمالسلام : ١٣٤
الاعتدال في محبّة أهل البيت عليهمالسلام : ١٣٥
الفهرس ١٣٧